ثم استطرد شعراء الإيمان في جمعهم للمعاني الكبيرة في ألفاظ صغيرة تهز قلب المؤمن هزة التمحيض، لتتركه يستقر ثابتا عند ركن التفويض، أو طائفا حول محاور العمل على سنة الترويض، فهو يكفيه موعظة أن يذكره شاعر بأن عيون الناس قد نامت قاطبة، (لكن عين الله لم تنم) ، فيحس معنى الحراسة الربانية، وأن له أن يستريح، وأن يسيح، خافقا بجناحيه مع الريح، لأنه في كلاءة الله تعالى ولطفه، تلحظه عين الرعاية أينما انقلب، فترد عنه العدو وصور الشر، فتكون له جرأة على الاقتحام في مواطن يتلكأ عنها الغافلون المحرومون من تحسس تلك الكلاءة، ويقدم على التحدي وهو رابط الجأش، بفؤاد متين، ثم يحس في انعطافة مباشرة معنى الرقابة الربانية أيضا، وأنه محاصر بها أينما ذهبت به حيل التفلت، فيدرك عجزه عن الاختباء في زاوية أو في قعر كهف أو بين جدران، فهو مفضوح مكشوف أينما ذهب، وليس له إلا أن يذعن ويستسلم ويضع نفسه في تيار التعبد الدائب، وهكذا يظل المؤمن الموقن بأن (عين الله لم تنم) متقلبا بين هذين الإحساسين الإيجابيين، فهو رافل بسكينة اللطف من جانب، متدرع، من جانب آخر، بطمأنينة إبراء الذمة فيما يظن، بعد أن قدم من العمل شيئا ولاذ بركن الرجاء، طامعا ببر رب هو عند حسن ظن عبده به.