الصفحة 25 من 51

فإن كان التشخيص فليكن العلاج الرفيق، فإن النفس لا تعاقب، وقد غلط الصوفية إذ سنوا سنة عقابها بحرمانها من المباحات، والإثقال عليها في الأعمال، يريدون استدراك تفريط الماضي بمضاعفة واجباتها، ومثل هدا الإرهاق قد يؤدي إلى نتيجة عكسية وإلى ملل بعد حين قد يجر إلى نكوص، والمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

أما أن بعض النماذج تتحمل الأثقال فتلك هي النفوس القوية، وحين يضرب عمر بن عبدالعزيز لها مثلا أو أضرابه فلكي يكون رمزا لو كنا على عشر ما كان عليه لكنا على خير وافر، وأما حرفية الاقتداء فتلك أمنية بعيدة المنال، يهب الزمان لها واحدا في الأمة على مدى قرن، ولكن نسدد ونقارب، والناس كإبل مائة، هزال مترنحة مسترخية، وراحلة شديدة سباقة واحدة.

الحصيرة... عرش الداعية

فإن لم يكن إرهاق النفس سائغا، ولا انتظار النفس الرمزية واردا: لم يبق لنا إلا الطريق الأوسط الأقرب، طريق تلاوة القرآن، والصلاة، واللبث في المساجد، وحلق الذكر، وتهجد الثلث الأخير، وزيارة القبور، ومجالس العلم، وغدوة النهي عن المنكر إذا انطلق، وروحة أمر الأصحاب بالمعروف إذا آب، وعلى هذا دل الهدي النبوي الشريف، ومن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية فلن يطير به بساط السندباد.

إن علاج الفتور لا يكون بتقريع، بل بانتصاب البعض قدوات، والقدوة إمامة بلا إمارة، وعنوان بلا تسمية، تنبثق تلقائيا دونما تكلف أو إشارة، وليس شرف من يوفق للتأسي بأقل من شرف مؤمن رائد استتم له النبل فصار بموضع الأسوة.

والدعاء من قبل ومن بعد هو الذخيرة، وقد وضع الأستاذ مصطفى مشهور مناجاة دعوية يتذلل بها الداعية بين يدي رب غفور ودود كريم لطيف، هي أول الطريق، وهي آخره، فليحرص عليها الدعاة، وليقولوا مثلها: تفتح لهم نفوسهم بعد إغلاق، وتفتح لهم قلوب الناس بعد إدبار، وتفتح لهم قلاع العدو بعد امتناع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت