إذا كان الأمر كذلك، فإن في"العلم"حلا رئيسا.
العلم يجفل صاحبه، ويقلقه عن حالة السكون، ويحركه نحو التمرد على الهواتف الصوارف وقواطع الطريق.
وفي الزمن القديم، أيام عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، كانت هناك مشاكل مشابهة وإحباط وحالة حزن ترهق المؤمنين، بسبب الفتن والمظالم التي تراكمت، فعالجها عمر بالعلم كما عالجها بالعدل، وبانتصابه قدوة للأمة في التجرد وابتذال النفس، فكتب لكل وال من ولاته أن: (أما بعد: فمر أهل الفقه والعلم من عندك فلينشروا ما علمهم الله في مجالسهم ومساجدهم) . وقد كان منهم الأداء، فكانت النهضة العلمية التي قادها عمر هي التي رممت ما هدمته سيوف التأول وعواصف الخلاف من قبله.
وأمرنا شبيه، ولنا به اقتداء، وإذا كان تحليلنا ينتهي إلى أن في الأمة الإسلامية اليوم تخلف وفتن وافتراق، أو أن الدعوة الإسلامية تشكو من تعاكس المواقف، فإن العلم يتكفل بتوضيح الرؤية وتوحيدها، والتأثير إيجابا في أخلاق الرجال. ويجدر بنا أن نعلم فوق ذلك أنه منزلة اختصاص وتفضيل، كما فهمها أبو بكر الآجري حين قال:
(إن الله عز وجل وتقدست أسماؤه: اختص من خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب، فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة، وفقههم في الدين، وعلمهم التأويل، وفضلهم على سائر المؤمنين وذلك في كل زمان وأوان، رفعهم بالعلم، وزينهم بالحلم) ..
فهذا الحلم هو الثمرة الأخلاقية الإيجابية التي نعنيها، وهو أساس علاج الفتن والافتراق، وما ينتجه الحلم من التأني وهدوء النفس هما أيضا أساس البحث المستفيض العقلاني الذي يدرأ تعاكس التأويل المسؤول عن تعاكس المواقف، لكن العاطفة حين تستبد: تشرق وتغرب، وذلك هو سر الخيرية الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الصحيح عند البخاري، حين قال: (من يرد الله به خيرا: يفقهه في الدين) .
العلم الشرعي حقق وحدة أجيال الأمة