بل وأكثر من هذا، فإن داعية الإسلام إذ يعيش في مجتمع الصخب الحاضر إنما يقبل على الكتاب والعلم إقبالا يتعدى الحافز الشرعي والإحساس المحرك الإيماني ليجد سلوة وتحقيقا لحاجة نفسية يستروح لها تنسجم مع سمته الإصلاحي وإعراضه عن اللغو، لأنه يكره نفاق المداهنين وتحاسد الناس، فيجد في الكتاب الصاحب الوفي، كما قال الشاعر:
نعم الجليس إذا خلوت به *** لا مكره يخشى ولا شغبه
فالكتاب أمين لا يغدر، صامت لا يهذر، ناصح لا يشاغب، وهذه أوصاف عالية وأخلاق صافية ليس في هذه الدنيا أحد أفرح بها من داعية مسلم أحاطه الجد فدق على صدره وقال: أنا للإصلاح. ثم يدق ثانية ويقول: أنا لمواصلة الدرب، وأنا صلة الأجيال. وذلك أن الأمة إنما بقيت حية نابضة القلب بحياة العلم الشرعي وحياة العلماء التي أفصح عنها الشاعر بقوله:
ما مات قوم إذا أبقوا لنا أدبا *** وعلم دين ولا بانوا ولا ذهبوا
فالوارث لهم يستشعر وحدة الأمة في كل أجيالها، وأنها طبقات متصلة مجتمعة حاضرة، غير منقطعة ولا متفرقة ولا غائبة، وذلك أن ثلة الفقهاء الأولين المتتاليين لم تمت، ولم تتناثر حلقاتها، وإنما هم أحياء بيننا بكتبهم وحروفهم، ويمكن أن نصدق أو نكذب في دعوى وراثتهم بمقدار الوفاء الذي نكنه لهم، وبمستوى الهمة التي تحركنا إلى مطالعة أوراقهم.
زيت و أحبار... لا خمر و أوتار
وكان قد قيل لبعض الحكماء: (بم كنت أعلم قرنائك؟ قال: لأني أنفقت في زيت المصباح لدرس الكتب مثل ما أنفقوا في شرب الخمر) .
فهذا فرق ما بين الجمع العلمي المبارك والرهط الزكي، وبين آخرين من أبناء جلدتنا تلهيهم حفلات المعازف ورنات الكؤوس.