وكذلك: قسوة الأمير على أعوانه، وفهمه وجوب الطاعة بشكل يابس، هو من خفي الأخلاق، وتسبب النفور الذي هو أبعد من الفتور، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رحيما، والرحمة وخفض الجناح تليق لكل أمير.
كذلك يحل بالأتباع إزاء هذين الخلقين ما هو مثيل لهما في السوء، فبمقابل ضيق الداعية برأي المخالفين يكون إلحاح التابع، وطول نفسه في الجدل والاعتراض حتى لكأنه يتنطع. وبمقابل قسوة الأمير يكون إسراف المقود في التفلت وعدم الاكتراث بالنصيحة وكثرة استنباط الأعذار وطول التشكي، وما إلى ذلك .. وإنما أردنا من هذين المثالين وعكسهما الإشارة إلى أن نقص النفس المؤدي إلى الفتور يكون في الطرفين، وليست الإمارة شهادة عصمة، ولا الانقياد مبرر تدلل واتكال.
إقبال .. و إدبار
ومع ذلك فإن الحذر في التشخيص واجب، إذ أن بعض حالات الفتور هي حالات وقتية طارئة، وعلينا أن نستقبلها كظاهرة طبيعية دونما جفلة واستكبار، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ( لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة) ، والشرة: أقصى الجد، ومن بعد كل جد فتور، وهذا يعني أن حياة المؤمن ضفيرة من سلسلتين، سلسلة جد وسلسلة فتور، تتداخلان، فبين كل جدين فتور، وبين كل فتورين جد، وتتشابك معهما سلسلة ثالثة من الأخلاط تطيل الفتور أو ترجح الجد، وفق ظاهرة (الخلطة النفسية) التي قلناها آنفا، والإيمان يزيد وينقص تبعا لذلك، ولأسباب أخرى علمها عند الله، أي كأن هناك ثوابت نفسية تسبب الشرة والفتور وتعاقبهما، لكن الأخلاط المتأرجحة غير الثابتة ترجح مدة ودرجة كل منهما، وقد رصد بعض الصحابة للقلوب إقبالا وإدبارا، فأوصى بإلزامها العمل عند إقبالها، والرفق بها عند إدبارها.
لا تخدش عزة النفس