لكن كل هذا النضال عن القوم الذين ظلموا ففتروا فتوهم العاملون ضعفهم وتسيبهم لا ينفي وجود أفراد في الصف ألهتهم عن الجد أمراض القلب، وركن بهم حب الدنيا عن نجدة إخوانهم المسلمين، ولو أنكرنا وجود هؤلاء لوقعنا في المبالغة المذمومة والمغالطة المفضوحة، لكنهم العدد الأقل، ويبقى ميزان التفتيش عن خلفياتهم النفسية صحيحا أيضا وضروريا للكشف عن أسباب فتورهم، فمنهم من تجده حسن التوجه ويفهم الدعوة، لكن قلبه ما زالت تعكره بقية من حسد يشغله عن العمل الصالح إذا ربح قرين له ربحا تجاريا أو نال مركزا مرموقا. ومنهم من يعشق الرئاسة والصدارة، فيظل ساخطا إذ أبعد عنها، فيصرفه سخطه عن التصدي لإرشاد الناس، وكل خلق آخر مذموم يمكن أن يؤدي إلى شكل من أشكال الحياة السلبية، وهؤلاء الرهط تنفع معهم الموعظة، فتكون بالإيماء، وإلا فبالصراحة وإلا فبالخشونة والتقريع، ولن ينفك مخلص عن اتعاظ إذا كان معدنه صافيا ولم يزد ذهوله عن أن يكون غفلة اعترت، وذو الشوائب يبتئس ويتعالى على النصحية، فينتكس، وليس الصف عليه بحريص، ونتأول لأنفسنا أنها تجربة تجميع معرضة للخطأ والصواب، أصابت كثيرا، والبركة فيمن ثبت وتواضع وانشرح قلبه لوجود ناصح له، وأخطأت قليلا، وسلوتنا أن السيرة المطهرة لم تبرأ من ظاهرة المخلفين.
كل هذه الموازين سهلة الاكتشاف والتطبيق إذا كانت الأخلاق المستولية على الشخص المدروس من الأخلاق المشهورة والصفات الواضحة الرئيسة، محمودة كانت أم سيئة، لكننا نكون أحيانا إزاء حالة مشكلة إذا كانت الصفات المسببة من الصفات الخفية.
من أمثال ذلك: ضيق الداعية ذرعا بمن يخالفه في الرأي، وعدم استيعابه له: هو من الأخلاق الخفية، وسبب عزوف المخالفين عن العمل.