إن هذه التقريرات التي تدفع هذه الشبهات لتحتل اليوم أهمية بالغة في الإملاء النفسي الدعوي الذي يُنهي التردد ويُقحم الدعاة في معمعة المحاولة، في وقت تعرى فيه المنافس وأفلس، ومع وجود عاملين مهمين يرجحان الأمر لصالح الدعاة:
الأول: الامتداد العالمي المستغرق للقارات الخمس، انطلاقا من بؤرة العالم الإسلامي، وأصبح متاحا بفضل الله تعالى حشد الطاقات وتناغم الأداء وتناصر الجبهات، في وحدة معنوية وفكرية يعجز عن مثلها المنافسون، الذين استبدت بهم الأنانية والقطريات والتعصبات، حتى تفرقوا أيادي سبأ،....
وتشعبوا شعبا، فكل جزيرة فيها أميز المؤمنين، ومنبر
كما وصفهم المساور بن هند بن زهير (1) .
الثاني: نهينا عن المنكر، الذي يضعنا في مرتبة فريدة بين التيارات والجماعات والأحزاب، فهم لا يتناهون عن منكر فعلوه ويفعله غيرهم، وكأن المسلم ينفرد في فهم مغزى التاريخ وحركته عبر مفاد آية سورة هود، في قوله تعالى: { فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض } ..
معناها: ( أولو فضل ) .
وكان يقال: (في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا) (2) .
فمرتبة الفضل: النهي عن الفساد في الأرض.
ومهنة الرجال أساتذة الرجولة: أن يكونوا نهاة في ثغر النذارة.
وحركة التاريخ التي توجه تعاقب القرون: كامنة في تفرد هذه الثلة المؤمنة فيما هي فيه من إنكار السوء، فيأتيها التمكين من الله تعالى .
(1) شرح ديوان الحماسة 1/275
(2) تفسير النسفي 2/86