الصفحة 15 من 51

إن المفتش عن صور العمارة الإيمانية المأثورة عن السلف، من مجاميع زهاد يتجردون، أو أرهاط أقوياء يجاهدون، أو عشاق جنة يتهجدون: يجد الدعاة في هذا العصر قدر ورثوا أكثر بقاياها، واستبدوا بالحظ الأوفر من أسهمها، وغيرهم يقتتل على أسهم الشركات لا يدقق حلالها من غررها، ويلهيه الصفق بالأسواق، يستهويه نشاز ضجيجها وصخبها، أو تشغله المناصب ومفاتن النساء، وربما كان أعلى السائبين همة من يلهو بالمباح، ويظن أن التعفف عن الحرام أبعد المناقب وأشرفها، وإنها كذلك، لولا أن إنكار المنكر أشرف منها.

إن دعاة الإسلام اليوم، ومن على سنة التربية منهم بصفة خاصة: ليس فوقهم إلا الملائكة، بما لهم من نقاء قلب وطهارة جوارح، وغيرهم من الناس يأكل قلوبهم التحاسد، ويعمّهم التحايل، ويتربص بعضهم بعرض بعض وبماله، حتى لا يأمن الرجل ابن عمه فضلا عن جاره.

بل يتميز دعاة الإسلام حتى وفق المقياس المدني، فإن أحلام الفلاسفة المثاليين القدماء قد تبددت، ولا يمكن أن يجدوا اليوم رجالا تنطبق عليهم أوصاف المجتمع الفاضل الذي دعوا إليه في غير المتدينين . بل حتى أخلاق فروسية العصور الوسطى آلت إلى الاندثار، من النجدة والشهامة والمروءة، ولم تعد مجسدة في غير دعاة الإسلام.

لقد كان فضل الله علينا عظيما، ثم فضل التربية الدعوية التي ألهمها الله الرعيل الأول الذي أشاعها، حتى بتنا مرفوعي الرأس نتباهى بشرفنا وميزاتنا، ولكن مع ذلك يبقى السؤال عن علاج اللامبالاة والفتور وضعف الهمة سؤالا واقعيا، والجواب عنه واجب، وذلك لأن طلب الكمال سنة المؤمن، واتهام النفس بالتقصير علامة إيمانية، وإنما كان فخرنا بالخيرية والسمو على أناس يشوبهم النفاق لا على قوم مؤمنين.

كذلك تظهر واقعية السؤال من باب آخر: إن مجتمع الدعاة على طبقات، منهم القدوة السريع الهمام، ومنهم المقاد المتثاقل، والواجب أن نمد يدا من المساعدة جاذبة، وأخرى ماسحة حانية، لهذا الثاني البطيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت