الصفحة 220 من 471

أحدها: أن يُحمل على أنهم إنما عملوا على التوسط، الذي هو مظنة الدوام، فلم يلزموا أنفسهم بما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو أولى، أو يتركوا العمل، أو يبغضوه لثقله على أنفسهم، بل التزموا ما كان على النفوس سهلًا في حقهم، فإنما طلبوا اليسر لا العسر، وهو الذي كان حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحال من تقدم النقل عنه من المتقدمين، بناء على أنهم إنما عملوا بمحض السنة والطريقة العامة لجميع المكلفين. وهذه طريقة الطبري في الجواب.

وما تقدم في السؤال مما يظهر منه خلاف ذلك، فقضايا أحوال يمكن حملها على وجه صحيح، إذا ثبت أن العامل ممن يقتدى به.

والثاني: يحتمل أن يكونوا عملوا على المبالغة فيما استطاعوا، لكن لا على جهة الالتزام، لا بنذر ولا غيره، وقد يدخل الإنسان في أعمال يشق الدوام عليها ولا يشق في الحال، فيغتنم نشاطه في حالة خاصة، غير ناظر فيها فيما يأتي، ويكون جاريًا فيه على أصل رفع الحرج، حتى إذا لم يستطعه تركه ولا حرج عليه، لأن المندوب لا حرج في تركه في الجملة.

ويشعر بهذا المعنى ما في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت:

"كان رسول الله يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان" [1] الحديث.

ولا يعترض على هذا المأخذ بقوله - صلى الله عليه وسلم -:

"أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل"،"وإنه كان عمله دائمًا" [2] ، لأنه محمول على العمل الذي يشق فيه الدوام .

(1) تقدم تخريجه في نفس الباب.

(2) تقدم تخريجه في نفس الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت