رأوا في ذلك رخصة من أهل العلم، ورأوهم يقولون ذلك [1] .
فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه لم ير العمل عليه، وإن كان مستحبًا في الأصل، لئلا يكون ذريعة لما قال: كما فعل الصحابة (رضى الله عنهم) فى الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر [2] .
وحكى الماوردى ما هو أغرب من هذا، وإن كان هو الأصل فذكر أن الناس كانوا إذا صلوا في الصحن من جامع البصرة أو الكوفة ورفعوا من السجود، مسحوا جباههم من التراب، لأنه كان مفروشًا بالتراب، فأمر زياد بإلقاء الحصى في صحن المسجد، وقال: لست آمن أن يطول الزمان، فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة!
وهذا في مباح، فكيف به في المكروه أو الممنوع؟!
ولقد بلغنى في هذا الزمان عن بعض من هو حديث عهد بالإسلام أنه قال في الخمر: ليست بحرام، ولا عيب فيها، وإنما العيب أن يفعل بها ما لا يصلح، كالقتل وشبهه.
وهذا الاعتقاد لو كان ممن نشأ في الإسلام، كان كفرًا، كأنه إنكار لما علم من دين الأمة ضرورة.
وسبب ذلك ترك الإنكار من الولاة على شاربها، والتخلية بينهم وبين اقتنائها، وشهرته بتجارة أهل الذمة فيها، وأشباه ذلك.
ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المعتقد مشروعًا، وليس بمشروع.
وهذا الحال متوقع أو واقع، فقد حكى القرافى عن العجم ما يقتضى أن ستة الأيام من شوال ملحقة عندهم برمضان، لإبقائهم حالة رمضان الخاصة كما هى إلى تمام الستة الأيام، وكذلك وقع عندنا مثله، وقد مر في الباب الأول.
وجميع هذا منوط بمن يترك الإنكار من العلماء أو غيرهم، أو من يعمل ببعضها بمرأى من الناس أو في مواقعهم، فإنهم الأصل في انتشار هذه الاعتقادات في المعاصى أو غيرها.
أقسام نشوء البدع
وإذا تقرر هذا، فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه:
(1) ... تقدَّم بيان ذلك ص173، 358.
(2) ... انظر ما تقدم ص357.