الصفحة 333 من 471

أحدها): وهو أظهر الأقسام أن يخترعها المبتدع.

(والثانى) : أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة [1] ، فيفهمها الجاهل مشروعة.

(والثالث) : أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة.

(والرابع) : من باب الذرائع، وهى أن يكون العمل في أصله معروفًا، إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى [2] .

إلا أن هذه الأقسام ليست على وزن واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ، بل هى في القرب والبعد على تفاوت:

فالأول هو الحقيق باسم البدعة، فإنها تؤخذ علة بالنص عليها.

ويليه القسم الثانى، فإن العمل يشبهه التنصيص بالقول، بل قد يكون أبلغ منه في مواضع -كما تبين في الأصول-، غير أنه لا ينزل ها هنا من كل وجه منزلة الدليل، إذ العالم قد يعمل وينص على قبح عمله، ولذلك قالوا: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك.

وقال الخليل بن أحمد أو غيره:

اعمل بعلمى ولا تنظر إلى عملى ( ... ينفعك علمى ولا يضررك تقصيرى

ويليه القسم الثالث، فإن ترك الإنكار -مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد ذلك منه إقرارًا- يقتضى أن الفعل غير منكر، ولكن يتنزل منزلة ما قبله، لأن الصوارف للقدرة كثيرة، قد يكون الترك لعذر بخلاف الفعل، فإنه لا عذر في فعل الإنسان بالمخالفة مع علمه بكونها مخالفة.

ويليه القسم الرابع، لأن المحظور الحالى فيما تقدم غير واقع فيه بالعرض، فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تعدى رتبة الوقعة أصلًا، فلذلك كانت من باب الذرائع، فهى إذًا لم تبلغ أن تكون في الحال بدعة، فلا تدخل بهذا النظر تحت حقيقة البدعة.

وأما القسم الثانى والثالث، فالمخالفة فيه بالذات، والبدعة من خارج، إلا أنها لازمة لزومًا عاديًا، ولزوم الثانى أقوى من لزوم الثالث، والله أعلم.

الباب الثامن

فى الفرق بين البدع والمصالح المرسلة

(1) ... يعنى معصية.

(2) ... كمثال قصر الصلاة، وصوم السبت بعد رمضان، انظر ص357، 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت