وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلبًا للرياسة، فلابد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا حسبما ذكره العلماء ونقله الثقات من مصاحبى السلاطين.
فالأولون ردوا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة بعقولهم، وأساءوا الظن بما صح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردوا كثيرًا من أمور الآخرة وأحوالها، من الصراط، والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم والعذاب الجسميين، وأنكروا رؤية البارى ... وأشباه ذلك، بل صيروا العقل شارعًا جاء الشرع أو لا، بل إن جاء، فهو كاشف لمقتضى ما حَكَم به العقل ... إلى غير ذلك من الشناعات [1] .
والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيات، وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة، حرصًا على أن يغلب عدوه، أو يفيد وليه، أو يجر إلى نفسه (نفعًا) .
والثالث من أسباب الخلاف: التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق.
وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم، فإن الله ذم بذلك في كتابه، كقوله: { إنا وجدنا آباءنا على أمة ... } [2] ، ثم قال: { قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون } [3] .
وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة، وما أشبه ذلك، لأنه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن فيه [4] .
(1) ... وهم المعتزلة: انظر تفصيل عقائدهم في كتابنا: تاريخ وأصول الفرق الإسلامية.
(2) ... الزخرف: 23.
(3) ... الزخرف: 24.
(4) ... عمل أهل المدينة:
قال الشوكاني في إرشاد الفحول: البحث الثامن: إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور: لأنهم بعض الأمة، وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم. قال الشافعي في كتاب قال بعض أصحابنا إنه حجة، وما سمعت أحد ذكر قوله إلا عابه، وأن ذلك عندي معيب، وقال الجرجاني: إنما أراد مالك الفقهاء السبعة وحدهم. والمشهور عنه الأول. وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء. وقيل يرجح نقلهم عن نقل غيرهم. قال الشافعي: إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق، وكلما جاءك شيء غير ذلك فلا تلتفت إليه ولا تعبأ به. وقال القاضي عبد الوهاب: إجماع أهل المدينة على ضربين نقلي واستدلالي: فالأول: على ثلاثة أضرب: منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم إما قول أو فعل أو إقرار، فالأول كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقات والأجناس ونحوهن، والثاني: نقلهم المتصل كعهدة الرقيق وغير ذلك كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات، مع أنها كانت تزرع بالمدينة، قال وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه، وترك الأخبار والمقاييس به لا اختلاف بين أصحابنا فيه. والثاني: إجماعهم من طريق الاستدلال: فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس بإجماع ولا بمرجح، ثانيها: أنه مرجح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، ثالثها: أنه حجة ولم يحرم خلافه، قال أبي العباس القرطبي: أما الضرب الأول فينبغي أن لا يختلف فيه لأنه من باب النقل المتواتر، ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي فإنهم عدد كثير وجم غفير تحيل العادة عليهم التواطؤ على خلاف الصدق، وهو أولى من أخبار الآحاد والأقيسة والظواهر، ثم قال: والنوع الاستدلالي: إن عارضه خبر، فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا، وقد صار جماعة إلى أنه أولى من الخبر بناء منهم على أنه إجماع وليس بصحيح، لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها. وإجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، وأهل المصرين (البصرة والكوفة) ليس بحجة لأنهم بعض الأمة، قال القاضي: وإنما خصوا هذه المواضع بحجية إجماع أهلها لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة. (أ.هـ. مختصرًا) .