الصفحة 93 من 471

فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلًا، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه؟! فهو حقيق بالبعد عن الرحمة.

قال الله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } بعد قوله { اتقوا الله حق تقاته } [1] ، فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقًا، وأن ما سوى ذلك تفرقة، لقوله { ولا تفرقوا } ، والفرقة من أخس أوصاف البدعة، لأنه خرج عن حكم الله، وباين جماعة أهل الإسلام.

وأما أن الماشى إليه والموقَّر له معين على هدم الإسلام:

عن هشام بن عروة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن وقًّر صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام) [2] .

وأيضًا، فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:

إحداهما: ... التفات الجهَّال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدى ذلك إلى اتباعه على بدعته، دون اتباع أهل السنة على سنتهم.

والثانية: ... أنه إذا وُقَّر من أجل بدعته، صار ذلك كالحادى المحَّرض له على إنشاء الابتداع في كل شىء.

وعلى كل حال، فتحيا البدع، وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه.

وعلى ذلك دَّل النقل عن السلف، زيادة إلى صحة الاعتبار [3] ، لأن الباطل إذا عمل به، لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأن المحلًّ الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين.

وأيضًا، فمن السنة الثابتة ترك البدع، فمن عمل ببدعة واحدة، فقد ترك تلك السنة.

وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة:

(1) ... آل عمران: 102.

(2) ... ضعيف: في السلسة الضعيفة (1862) رواه الطبرانى في الكبير، وضعفه الهيثمى في المجمع (1/188) .

(3) ... يقصد أن ذلك دل عليه النقل، ودل عليه الاعتبار والقياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت