قال ابن القيم: فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به"اهـ1."
وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين ربط المسببات بأسبابها، فلا يجوز للإنسان تعطيلها مهما أمكنه القيام بها، فإذا فعلها عبودية يكون قد أتى بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنوي به القربة. وتحقيق التوكل موقوف على القيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطلها لم يصح توكله، كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنيًا، كما أن من عطلها يكون توكله عجزًا، وعجزه توكلًا لله2 فالتارك للأسباب المطلوبة منه شرعًا وعقلًا ويقول: إن كان قضي لي وسبق في الأزل حصول الولد فإنه آت لا محالة ولو لم أتزوج فهذا لا شك أنه يكون موقع إنكار الناس بل ربما يقال فيه إنه ليس من جملة العقلاء وأن البهائم أفهم منه فإن الواقع المشاهد من حال الحيوان أنه يسعى في تحصيل رزقه بالهداية العامة التي منحها الله جميع خلقه.
جاء في فتح المجيد: عند قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} 3 فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا ولا عجزه توكلًا بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. اهـ4.
ومما تقدم نجزم بأنه لا يجوز التخلي عن الأسباب بحال لأن ذلك ممنوع عقلًا وشرعًا وحسًَّا فالرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد المتوكلين وإمام المتقين عندما خرج من مكة استأجر دليلًا ليدله على الطريق وكان الدليل مشركًا على دين قومه5 وحضر غزوة أحد بين درعين،
1-مدارج السالكين 2/118.
2-الفوائد ص86.
3-سورة المائدة آية: 11.
4-ص 365 ط: السلفية، تيسير العزيز الحميد 443.
5-انظر صحيح البخاري 2/33 من حديث عائشة رضي الله عنها.