فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، ثم أدى بهم حالهم ذلك إلى عبادة تلك الأحجار ثم كانوا يعبدون من الأحجار ما استحسنته عقولهم"اهـ1."
واسمع ما صار إليه حالهم قال أبو رجاء العطاردي:"كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبنا عليه ثم طفنا به"2.
ومن عجائب أمر الجاهلية أن أحدهم إذا كان مسافرًا أخذ معه أربعة أحجار ثلاثة لقدره والرابع يعبده3.
ولقد بالغ العرب الجاهليون في إكثارهم من الأصنام حتى أنه كان لأهل كل دار بمكة صنم يعبدونه وكان أحدهم إذا أراد السفر تمسح بصنمه وإذا رجع من سفره فعل كذلك قبل أن يدخل منزله4.
وكان من أقدم أصنامهم"مناة"وكان منصوبًا على ساحل البحر الأحمر من ناحية"المشلل"بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعًا تعظمه، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له وكانت الأوس والخزرج من أشد الناس تعظيمًا له حتى أنه بلغ من تعظيمهم أنهم كانوا يحجون ويقفون المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم ولا يرون حجهم صحيحًا إلا إذا فعلوا ذلك وكانت"مناة"لهذيل وخزاعة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا عام الفتح فهدمها5.
ثم اتخذت العرب بعد"مناة""اللات"بالطائف وهي أحدث من"مناة"وكانت صخرة مربعة وكانت سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها وكانت قريش وجميع العرب يعظمونها وبها كانت تسمى"زيد اللات""تيم اللات"وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى فلم تزل كذلك حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة لما أسلمت
1-ذكره عنه ابن هشام السيرة النبوية"1/77".
2-صحيح البخاري مع الفتح 8/90.
3-إغاثة اللهفان 2/220.
4-البداية والنهاية لابن كثير 2/210.
5-الأصنام لابن الكلبي ص13 ـ 15 إغاثة اللهفان 2/211 ـ 212.