جَهَنَّمَ وِرْدًا يعني: مشاة وقيل:"عطاشًا قد تقطعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش"اهـ.1.
وقد بين ـ تعالى ـ أن الأمم الداخلة في جهنم يلعن بعضها بعضًا وأن الأتباع يلقون باللائمة على المتبوعين وقد صوّر هذا المشهد قوله تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} 2.
فقد بين تعالى في هاتين الآيتين: أنه كلما دخلت أمة من الأمم تابعة، أو متبوعة في النار فإنها تلعن أختها بمعنى: تدعو على نظيرتها في الدين، فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها، وتلعن المتبوعة التابعة التي زادت في ضلالها.
قال أبو مسلم: يلعن الأتباع القادة يقولون: أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله ـ تعالى ـ.
وقوله: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} غاية لما قبله أي: يدخلون فوجًا فوجًا لاعنًا بعضهم بعضًا إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار وعند ذلك تقول: أخراهم منزلة وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء، أو تقول: أخراهم دخولًا لأولاهم كذلك {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا} أي: دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا} أي: مضاعفًا.
قال تعالى رادًا عليهم"لكل"منكم ومنهم عذاب"ضعف"من النار.
أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وذلك بسبب الدعاء السابق.
وأما كونهم مضلين فلأن اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} 3.
1-"معالم التنزيل"على حاشية تفسير الخازن 4/211.
2-سورة الأعراف آية: 38 ـ 39.
3-روح المعاني للألوسي 8/116 والآية رقم (6) من سورة الجن.