قوّتها السّياسيّة تكمُن في سيطرتها على كلّ ما يجري في دهاليز مبنى الأمم المتّحدة، وأيّ إدانةٍ تخرج من هذا المبنى ستجعل الإدارة الأمريكيّة في موقفٍ حرجٍ أمام الكونغرس ومجلس الشّيوخ وبقيّة الشّارع الأمريكيّ ..
والذي يراجع تاريخ التحرّكات السّياسيّة المصاحبة للحروب في هذه المنطقة من سنة 1984 إلى 2006 أي من الحرب التي خاضتها الجيوش العربيّة بعد إعلان دولة إسرائيل إلى حرب تمّوز التي خاضتها إسرائيل في مواجهة حزب الله اللبنانيّ, يجد أنّ التحركات السّياسيّة تأتي دائمًا بعد التّطوّرات العسكريّة على الأرض, لتبثّ واقعًا معيّنا يتمّ التّفاوض على أساسه! وهي ما يُعرف بسياسة الأمر الواقع التي تتّبعها إسرائيل في تثبيت مكاسبها العسكريّة، فالجيش الإسرائيليّ عندما اجتاح سيناء في حرب الأيّام الستّة وافق على قرار إيقاف إطلاق النّار الفوريّ ولكن بعد أن احتلّ سيناء بأكملها، وهكذا توَظّف قرارات مجلس الأمن والأمم المتّحدة لخدمة المكاسب العسكريّة، وقُل نفس الشيء عن الجولان وجنوب لبنان وغيره، وهذا بالطبع مع دولة مثل إسرائيل لا تُلقى بالًا لقرارات الأمم المتّحدة ومجلس الأمن, لأنّها تعتمد على جبهة داخليّة صلبة فيما يتعلّق بحروب البقاء أو الفناء، بالإضافة إلى أنّها تعتمد على أمريكا في نقض معظم القرارات تلك ..
أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة الأمريكيّة فالأمر مختلفٌ كما أشرنا سابقًا، ولذا فإنّي أعتقد أنّ الأمر محسومٌ بالنّسبة للسّوريّين في أهمّية خوض هذه الحرب التي ستؤكّد على قوّة تحالفهم الحديديّ [إيران - سوريا - الحزب] وقد بات من المؤكّد أنّ اللقاءات التشاوريّة بين قيادات القوى الثلاث قد أنهت كل الترتيبات والخطوط العامة لمواجهة كافّة التحركّات السّياسيّة والعسكريّة المرتقبة في المنطقة، وقد بات الأمر مشجعًا للشركاء الثّلاثة بعد تجربة حرب تمّوز التي أثبتت فعاليّة التّحالف في معركةٍ لم يُعمل لها حسابٌ مسبق، فقد أدار خبراء الحرس الثّوريّ الحرب من عُمق لبنان واستمرّت الإمدادات السّوريّة في الوصول بدون انقطاع، فكيف إذًا تمّ العمل بشكلٍ أدقّ وبإعدادٍ مسبق وبجاهزيّةٍ كاملة!
وقد أطلتُ الحديث هنا لأبيّن مدَى وضوح العقيدة القتاليّة لدى أطراف النّزاع من الجانب الشّيعيّ, وأنّها معركة حياةٍ أو موت, ووجودٌ أو محوٌ من الخريطة! وهذا ما سيدعو السّاسة الأمريكان لطلب خطّة ناجحة من القادة العسكرييّن في كِلا الجيشين الأمريكيّ والإسرائيليّ مهما كلّف الأمر، وقد استخدمتُ هنا تعبير -مهما كلّف الأمر- لأذكّر القارئ بمشاهد القصف الوحشيّ الذي تعرضت له مدن العراق عام 2003 عندما ألقت القاذفات الأمريكيّة 500 طن من القنابل وهو ما يعادل 4425 قنبلةٍ نوويّة بقوة القنبلة التي ألقيت على هيروشيما! إذن فنحن أمام حربٍ عنيفةٍ تذكّرني بمقولة مساعد وزير الخارجيّة الأمريكيّ أرميتاج لحكومة برويز مشرّف: إنّ المسألة ليس في أن نقرّر إذا ما كنّا مع أمريكا أو مع الإرهابيّين وحسب، ولكن إذا اخترنا الإرهابيّين فإنّ علينا أن نتوقع أن تدمرنا القنابل بحيث نعود إلى العصر الحجريّ!.