فهرس الكتاب
مخطئ معذور مأجور. وقد دل الشرع المطهر دلالة لا تحتمل مكابرة على أن الحق واحد لا يتعدد قال - سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [1] قال القرطبي ... -رحمه الله: (روى عبد الله بن الحكم و أشهب عن مالك في قوله - سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} قال:(اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال ) ) [2] اهـ. وهذا واضح تمام الوضوح في حمل الإمام مالك - رحمه الله - للآية على عمومها, و أنه عند كون الخلاف خلاف تضاد- سواء كان ذلك في الأصول أو الفروع- أنه ليس بعد الحق إلا الضلال.
و مما يدل على أن الحق واحد لا يتعدد أنّا قد أمرنا عند الاختلاف بالرد إلى الله ... ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ولو كانت الأقوال المختلفة المتضادة كلها حقا, لما كان هناك معنى لهذا الرد. كما أن هذا الأمر بالرد, يدل على أن مراد الشارع في محل الاختلاف واحد يسعى المجتهد لنيله والوقوف عليه. قال ابن عبد البر- رحمه الله:(والصواب مما اختلف فيه و تَدافع: وجه واحد. ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطّأ السلف بعضهم بعضا في اجتهادهم, وقضائهم, وفتواهم, والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابا كله. ولقد أحسن القائل:
إثبات ضدين معا في حال ... أقبح ما يأتي من المحال
إلى أن قال: و قال أشهب: سمعت مالكا يقول: ما الحق إلا واحد, قولان مختلفان لا يكونان صوابا جميعا, ما الحق و الصواب إلا واحد, و به يقول الليث ... ) [3] .
ومن أصول أهل السنة و الجماعة أنه لا تلازم بين الخطأ والإثم وقد ثبت بالكتاب ... والسنة والإجماع: أن مِن الخطأ في الدين ما لا يكفر مرتكبه بل ولا يفسق بل ولا يأثم. قال
(1) يونس [32]
(2) تفسير القرطبي [8/ 337] , و انظر سير أعلام النبلاء [8/ 108]
(3) جامع بيان العلم [2/ 87_89]