فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 119

القرطبي- رحمه الله: (قوله - سبحانه وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} المعنى: أعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما) [1] .

و أهل السنة وسط بين فئتين: فئة جعلت قبلتها أقوال الرجال معرضة عما أمر الله به من طلب الحق وتحريه, بزعم أن الأقوال كلها حق في نفس الأمر. وفئة ذهبت إلى الحكم بالإثم والفسق والضلال وربما الكفر على كل من خالف الحق وأخطأ طلبه. ... بل التأثيم عند أهل العلم والإيمان, إنما هو في حق من خاض فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد, أو لم يكن من أهل الاجتهاد. لذا: فمن أخطأ مخالفا الكتاب المستبين والسنة المستفيضة, أو ما أجمع عليه سلف الأمة, خلافا لا يعذر فيه, فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع.

و الحق لا يعرف بالرجال و إنما نعرف الرجال بالحق .. وما الرجال إلا وسيلة لمعرفة الحق ببيان دليله وما يقوم عليه, لا أن يدار معهم في جميع أقوالهم وأفعالهم بغير حجة قائمة, وجعلهم دلائل على الحق. فهذا من أعظم أسباب الضلال, فضلا عن كونه سبيل ضعاف العقول. إلا أن يكون المقلِّد المتبِع, عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل, مع عدم اتباعه لهواه, وتحريه للحق بحسب طاقته, فيجوز للضرورة, ما لم يظهر له أن الحق بخلاف ما هو عليه.

و معرفة الحق بالرجال موافقة لهم, وتقليدا بغير حجة, هو دين أهل الكتاب, الذي حذرنا الله - سبحانه وتعالى - من الوقوع فيه, وهو مما كان سببا في خروجهم عن الملة التي أنزلها الله إليهم قال - سبحانه وتعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [2] , وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعدي - رضي الله عنه - و هو يومئذ على دين النصرانية: [أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه, ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت بلى, قال - صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم] [3] .

(1) تفسير القرطبي [3/ 431]

(2) التوبة [31]

(3) البيهقي [10/ 116] , المعجم الكبير [17/ 92] , الترميذي [5/ 278]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت