فهرس الكتاب
و الإمام مالك - رحمه الله - هو صاحب المقولة السائرة, الجامعة لكل ما يمكن أن يقال هنا: (كل أحد يؤخذ من قوله و يترك إلا صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم -) [1] . فلما كانت العصمة منتفية عن غير الأنبياء, وكان الحق لا يعرف بالرجال, وجب اجتناب زلات الرجال, وعدم متابعتهم فيها, وإن كان صاحبها قد يكون معذورا بل مأجورا كما سبق بيانه. قال عمر - رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالِم, و جدال منافق, وأئمة مضلون) [2] . وإنما عظمت زلة العالم, لما يترتب عليها من المفاسد, لاقتداء الناس بهم. قال عمر - رضي الله عنه - أيضا: (إذا زل العالِم, زل بزلته عالَم من الخلق) [3] , قال الزبيدي - رحمه الله: (وفي الكلام المشهور: زلة العالِم زلة العالَم) [4] .
والحق لا يعرف بكثرة عدد و لا عدة .. وإنما علامة الحق ودليله: موافقته لما جاء به - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاء الشارع ببيان أن الحق لا يعرف بالكثرة ولا القوة المادية, بل قد جاء الحق بذم هذه الأمور وبيان أنها أعراض خارجية, لا تحق حقا ولا تبطل باطلا. بل هي - غالبا - قرينة الباطل والعلامة عليه. ومن ذلك قوله - سبحانه وتعالى: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [5] و قوله: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} [6] و قوله - سبحانه وتعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [7] وقال - سبحانه وتعالى: {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون} [8] . بل إن الله - سبحانه وتعالى - يعطي هذه المظاهر المادية, للمعرضين عن هديه, استدراجا لهم ومكرا بهم, ليتمادوا في ضلالهم وغيهم, فتتم خسارتهم. والجزاء من جنس العمل .. فكانت عقوبة قدرية لا منحة ربانية. قال - سبحانه وتعالى: قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا
(1) سير أعلام النبلاء [8/ 93] , مختصر المؤمل لأبي شامة [66]
(2) صحيح الدارمي [1/ 71] , حلية الأولياء [4/ 196]
(3) نفس المرجع
(4) تاج العروس [8/ 1032]
(5) البقرة [243]
(6) يونس [36]
(7) الأنعام [116]
(8) الزخرف [78]