ويكفي من رحمته تبارك وتعالى أن يدخلنا الجنة، مع أن العبد إنما يهتدي بهداية الله عز وجل له ولا يعمل شيئًا من الأعمال الصالحة إلا بتوفيق الله عز وجل له، ومع ذلك فإن الله عز وجل يدخله الجنة ويغفر له الذنوب ويفتح له باب التوبة ويجعل الطريق أمامه ممهدًا من أجل أن يرجع إلى الله عز وجل بعد شروده وبعد معصيته وبعد تمرده.
ويكفي في الدلالة على هذا المعنى، أن أولئك الذين نسبوا لله عز وجل الصاحبة والولد وهو جرم عظيم يكفي في بيان رحمة الله عز وجل بخلقه أنه يقول لهم على سبيل التلطف (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) يعرض عليهم التوبة ويفتح الطريق أمامهم بألطف أسلوب، كل ذلك من رحمته تبارك وتعالى، ويقول للمكثرين من الذنوب والمعاصي والجرائم (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) فكيف بمن لم يكثر من الذنوب، فهذه كلها آثار لرحمته تبارك وتعالى.
فهذا يستوجب أمرًا آخر وهو من هذه الآثار: أن العبد يقبل على الله عز وجل بكليته ويبادر بالتوبة وبالأعمال الصالحة، وإذا كثرت ذنوبه فليعلم أن رحمة الله عز وجل أوسع، كما قال الله عز وجل (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا) وقال (رحمتي وسعت كل شيء) فهي شاملة لأهل العالم السفلي والعالم العلوي، ولا ينفك منها مخلوق بحال من الأحوال.
فإذا عرف العبد هذا وتذكر قوله (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فإنه يبادر إلى التوبة ولا يكون للقنوط محل في قلبه، وإنما يعلم أن باب التوبة مفتوح وأن الله عز وجل يقبل من التائبين ومن المنيبين مهما عظمت ذنوبهم، فليأس من رحمة الله عز وجل أمر يسخط الله تبارك وتعالى، ومن سوء ظن العبد بربه، من قنط من رحمة الله عز وجل فهو لم يعرف الله عز وجل المعرفة الصحيحة اللائقة، وهو من جملة من قال الله عز وجل عنهم (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) (الظآنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء) فالله لا يحب القانطين الذين يقنطون من رحمته أو الذين يضيقون على الناس هذه الرحمة، وتعرفون خبر ذلك الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا وماذا كان أمره وما انتهى إليه خبره، فالله عز وجل يقول (كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) بل أخبرنا تبارك وتعالى أنه استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الأوصاف كما قال (الرحمن على العرش استوى) فاستوى على أوسع مخلوق وأعظم مخلوق وهو العرش، استوى عليه بأوسع الأوصاف وهي الرحمة التي وسعت كل شيء.
فمن تأمل هذه المعاني انشرح صدره وازداد إقباله على الله تبارك وتعالى ولا يفعل فعل الجاهلين الذين يغترون بفهم هذا المعنى منفردًا من غير النظر إلى المعنى الآخر وهو أن الله يمهل ولا يهمل وأنه شديد العقاب وأنه لا تطاق سطوته سبحانه وتعالى، وإنما يتوب العبد من الذنوب ويقبل على الله عز وجل ويعلم أن ربه لا يتعاظمه ذنب ومهما كثرت ذنوبك فأقبل على الله عز وجل وتب إليه وهو سبحانه وتعالى يتقبل توبتك ويغفر ذنبك وإن كان عظيمًا.
الشرك بالله عز وجل هو أعظم جرم وقع على وجه الأرض، ومع ذلك من تاب من شركه تاب الله عز وجل عليه وبدل السيئات حسنات، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان عامتهم ممن كانوا يعبدون غير الله عز وجل، صاروا خيار الخلق ورؤوس الخلق وصاروا من المنزلة عند الله عز وجل ما تعرفون.