بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد
فيقول الله عز وجل في أول هذه السورة (الحمد لله رب العالمين) و (ال) الداخلة على الحمد وهي الداخلة على الأسماء والأوصاف، تدخل على أسماء الأجناس وعلى الأوصاف هذه هي (ال) الاستغراقية، أي أنها تدل على الاستغراق والاستيعاب والشمول، وعلامتها التي يمكن التفريق بينها وبين غيرها كـ (ال) العهدية، أنك تستطيع أن تضع (كل) مكانها فـ (الحمد لله) كأنك تقول (كل الحمد مستحق لله عز وجل فـ(ال) هنا (الحمد لله) أي أنك تضيف جميع المحامد لله جل جلاله.
وما معنى الحمد؟ كثير من المفسرين ومن أهل اللغة يفسرونه بالثناء وهذا فيه نظر لما سيأتي، والأحسن أن يقال: إن الحمد هو وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم، فإنه قد يكون نفاقًا وتزلفًا، فإن من يطري غيره ويضيف إليه أوصاف الكمال ويضيف إليه المحاسن والمحامد فقد يكون غير صادق معه في هذا القول، فيكون متزلفًا إليه منافقًا متملقًا له ليحصل طمعًا أو ليدفع عنه ضررًا، فإذا كان هذه الإضافة؛ إضافة المحامد للمحمود مع المحبة والتعظيم لهذا المحمود ولهذه الأوصاف أيضًا التي تضاف إليه فإن هذه هي حقيقة الحمد، ولهذا فإن أحسن ما يفسر به هو ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، بأنه: الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لهذه المحاسن والأوصاف، فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدًا، ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدًا، لو أن أحدًا أحب هذه الأوصاف التي يتصف بها من الكرم والعلم والجود وما إلى ذلك لكنه ما أحب هذه الأوصاف وأضافها إليه لو أن أحدًا أضافها إليه من غير محبة لها لم يكن حامدًا، ولو أنه أحبها من غير إضافة إليه لم يكن حامدًا.
إذا كان الأمر كذلك، إذا كان الحمد هو إضافة المحامد والأوصاف الكاملة الحسنة للمحمود وليس هو بمعنى الثناء فما معنى الثناء إذًا الذي كثيرًا ما نقرأ ونسمع في كلام أهل العلم تفسير الحمد به فيقولون: الحمد هو الثناء (الحمد لله) أي الثناء لله، فلان يحمد ربه أي يثني على ربه، فإذا كان الأمر ليس كذلك، فما معنى الثناء إذًا؟
الثناء هو ذكر تكرار الحمد ثانيًا، هذا هو الثناء، وإذا كرر ثالثًا فإنه يكون من باب التمجيد، والدليل على ذلك هو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... ) الحديث وفيه: (فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال العبد:(الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي) فلما كرره ثانيًا سماه الله عز وجل ثناءً (فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي) والحديث مخرج في صحيح مسلم.
وأنت حين ما تقول (الحمد لله) هذا حمد مطلق، والحمد اسم جنس، والجنس معلوم أن له كيفية وكمية، فالثناء هو كمية الحمد وتكثيره، يعني أنه يكون ثانيًا، ثنيت بذكر المحامد فهذا هو الثناء، فالكمية هي الثناء، والتمجيد هو الكيفية، وهذا على كل حال يدل على عدم دقة ما يفسر به الحمد بأنه الثناء مطلقًا والله تعالى أعلم.