بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آهله وصحبه أجمعين ... أما بعد:
فحديثنا لهذه الليلة كما وعدناكم عن البسملة.
وحينما نقول: البسملة، وهكذا ما يشبهها من قولنا: الحمدلة، والهيللة، والحوقلة، أي: إذا قال العبد بسم الله، قيل: بسملة، وإذا قال الحمد لله، قيل: حمدلة، فهي حمدلة، وإذا قال لا إله إلا الله، قيل: هيللة، وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، قيل: حوقلة، فلان يحوقل.
فهذا الاستعمال في كلام العرب يشبه النحت في الأسماء، وذلك أن الأسماء عند النسبة يأخذون أحيانًا اسمين فينحتون منهما لفظًا واحدًا، فينسبون إليه، فيقولون: فلان حضرمي، حضرمي نسبة إلى حضر موت، فهما كلمتان وكذلك إذا قال: فلان عبقسي، نسبة إلى عبد القيس، فيختصرون ذلك ويركبون منه لفظًا واحدًا عبقسي، وهكذا حينما يقولون: فلان عبشمي، كما تجدون في تراجم بعض القرشيين، أي أنه ينسب إلى عبد شمس فهو من بني عبد شمس فيقال عبشمي، وهكذا.
يقول عمر بن أبي ربيعة وهو شاعر عربي قح يقول:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... ألا حبذا ذاك الحديث المبسملُ
لقد بسملت ليلى، وهو شاعر جاهلي، وهذا يدل على أن مثل هذا الاستعمال أنه استعمال عربي أصيل فصيح، وليس لغة مولدة، لأن العرب الأقحاح استعملوها في كلامهم وفي شعرهم.
وحينما نقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) هذه الباء: بسم الله، ما معناها؟ لماذا أتينا بها؟ يمكن أن تكون هذه الباء تدل على معنىً، وهو الاستعانة، أنها للاستعانة، تقول: بسم الله، أي أقرأ مستعينًا بالله، أو مستعينًا بسم الله.
أو أنها للمصاحبة، أي أقرأ مصاحبًا اسم الله، أو آكل مصاحبًا أو مستصحبًا اسم الله، أو آكل مستعينًا بالله وأقوم مستعينًا بالله، كما إذا قمت وقلت بسم الله، وإذا قعدت قلت بسم الله، أي أقعد وأقوم وأعمل كل شيء مستعينًا بالله عز وجل.
هذا معنى الباء الداخلة على هذه اللفظة (اسم) بسم الله، ولاحظوا أن كلمة اسم هنا أضيفت إلى لفظ الجلالة (بسم الله) واسم هنا هل هي مفردة أو مجموعة؟ هي مفردة قطعًا، بسم ما قال بأسماء الله الرحمن الرحيم، وإنما قال: بسم الله، نقول بسم الله، هذه اللفظة المفردة أضيفت إلى لفظ الجلالة، ومن المعلوم أن الاسم المفرد أو أن المفرد إذا أضيف للمعرفة فإنه للعموم، وماذا ينتج عن ذلك؟ ينتج عن ذلك أنك إذا قلت: بسم الله، بناء على هذا الاعتبار والمعنى، فأنت تعلن وتقول: أبدأ وأستعين بكل اسم لله عز وجل، أو آكل مستصحبًا كل اسم لله عز وجل، أو أقرأ مستعينًا بكل اسم لله عز وجل، من أين جئنا بكل اسم؟ لأن لفظة اسم مفردة أضيفت إلى المعرفة وهو لفظ الجلالة: الله (بسم الله) فمعنى ذلك أنه يعم كل اسم لله عز وجل، لأن المفرد إذا أضيف فإن ذلك يكسبه العموم، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرا فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب