فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 94

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد:

فكنا نفسر البسملة وكان آخر ما وقفنا عليه هو معنى الرحمن ومعنى الرحيم، وبقي أن أشير إشارات إلى بعض الآثار التي يؤثرها الإيمان بهذين الاسمين الكريمين:

فأول ما يؤثره الإيمان بهذه الأسماء في نفس المؤمن وفي قلبه أن يؤمن بما تضمنته هذه الأسماء من أوصاف الكمال التي دلت عليها، فيؤمن بأن الله عز وجل ذو رحمة وهي رحمة لا تشبه رحمة المخلوقين لا تماثلها، هي رحمة تليق بجلال الله عز وجل وعظمته، وهي رحمة واسعة وسعت كل شيء.

ثم أيضًا يؤثر ذلك في قلب العبد آثارًا أخرى كما نشاهد من آثار رحمة الله عز وجل الناشئة عنها فيما حولنا، فإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو أثر من آثار هذه الرحمة، وإنزال الكتب أثر من آثارها، وإمهال الخلق أثر من آثار الرحمة وإلا فإن الله عز وجل لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فهو يمهلهم.

وكذلك أيضًا يهديهم ويوفقهم فلولا رحمة الله عز وجل ما اهتدى أحد، وما نجى أحد، وبرحمته تبارك وتعالى أن سخر بعضهم لبعض وذلك أن فاوت بينهم في القُدَر، وفاوت بينهم في الغنى، وفاوت بينهم في الصحة والمرض ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا فتقوم حياتهم ووتتكامل بحيث يقوم بعضهم بشؤون بعض، وتتكامل مصالحهم بهذا الاعتبار، فهذا يقوم بهذه المهن وهذا يدفع المال، وهذا يقوم بتلك الصنائع ويأخذ المال فيتبادلون مصالحهم وتقوم حياتهم على استقامة ووئام، وهذا من رحمته تبارك وتعالى.

ومن رحمته أن خلق لهم من أنفسهم أزواجًا ليسكنوا إليها وجعل بينهم مودة ورحمة.

ومن رحمته أن جعل بينهم الرحمة يتراحمون بها فتعطف الأم على ولدها والوحش على صغارها فتحصل التربية والتنشئة ويبقى الجنس البشري، ولو نزعت هذه الرحمة من قلوب الخلائق لو نزعت الرحمة من قلوب الآباء والأمهات لما صبروا على تربية أولادهم وتنشئتهم ولا ما أنفقوا عليهم نفائس الأموال ولا ما أتعبوا أنفسهم في سبيل استبقائهم وفي سبيل حفظهم ورعايتهم.

ومن آثار هذه الرحمة أيضًا التي نشاهدها: أن تابع الله عز وجل علينا الأرزاق، ولولا ذلك لهلك الخلق.

ومن آثار رحمته تبارك وتعالى أن سخر لنا ما في هذا الكون من أجل أن يُستغل فتقوم حياة الناس بسبب هذا التسخير، فسخر لهم الدواب التي ينتقلون عليها، وسخر لهم البحر لتجري الفلك فيه بأمر الله عز وجل، وسخر لهم ألوان المعادن، وسخر لهم أمورًا أخرى كثيرة تفوق الحصر، فهذا من رحمته ولطفه بنا.

ومن لطفه ورحمته تبارك وتعالى أنه ينقلنا من طور إلى طور ونحن في بطون أمهاتنا، فالأم لاهية سارحة لا تدري ما ذا يصنع في بطنها والله عز وجل يُكوِّنُ هذا الجنين وينقله من غير حاجة إلى شق بطنها أو إدخالها في عيادة ولو اجتمع الخلق على أن ينقلوه من طور إلى طور لما استطاعوا.

ثم من رحمته تبارك وتعالى: أنه لم يكلفنا ما لا نطيق وإنما كلفنا بحسب طوقنا وبحسب قدرنا فهو أرحم بنا من أنفسنا لأنفسنا، فكلفنا أمورًا تحصل بها لذة وسعادة إذا خالط الإيمان قلب العبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت