فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 94

الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

يقول الله عز وجل (إياك نعبد وإياك نستعين) وقد تحدثنا عن الشق الأول وهو قوله (إياك نعبد) ونلاحظ هنا أنه كرر هذه اللفظة (إيا) وإن شئت أن تقول مع كاف الخطاب (إياك) (إياك نعبد وإياك نستعين) كان يمكن أن يقال: نعبدك ونستعينك، أو نعبدك ونستعين بك، ولكنه قال (إياك نعبد وإياك نستعين) كما أنه يمكن أن يقال أيضًا: إياك نعبد ونستعين، فيحصل المقصود، ولكنه أعاده ثانيًا للاهتمام به؛ وذلك أنه يدل على التخصيص والحصر والقصر، فالعبادة تختص به سبحانه وتعالى لا يبعد أحد سواه، والاستعانة تقصر عليه فلا يستعان بأحد سواه فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى.

كما أن قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) أفصح وأبلغ من قوله: إياك نعبد ونستعين، فإن ذلك أوضح في بيان المقصود، لأن هذه الإعادة تدل على أن تعلق هذه الأمور [العبادة والاستعانة] أن الحصر متعلق بالأمرين معًا: العبادة والاستعانة، لئلا يتوهم أحد أن الحصر مختص بالأول مثلًا (إياك نعبد) دون الاستعانة فتكون بالله عز وجل وبغيره، فالحاصل أن هذا التكرار أقوى في الدلالة على المقصود وهو الحصر والقصر، وهنا سؤال، وهو: لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟

وقد أشرت إلى ذلك فيما سبق، والعلماء رحمهم الله يجيبون عن ذلك بأجوبة كثيرة:

فمن هذه الأجوبة، وهو أولها: أن العبادة له هي المقصودة، أما الاستعانة فهي وسيلة إلى العبادة، أنت تستعين من أجل أن تقوى على العبادة، ومن أجل تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى، فيكون قد قدم المقصود على الوسيلة لأن المقصود هو المطلوب وهو الأهم.

وقوله (إياك نعبد) وهو جواب آخر: متعلق بألوهية الله عز وجل وباسمه (الله) الدال على الإلهية، وأما إياك نستعين فهو متعلق بالربوبية لأن العون من معاني الربوبية، ونلاحظ أن ترتيب الأسماء: بسم الله، الحمد لله رب العالمين، قدم الله، ثم ذكر بعده الرب، فهنا قدم العبادة (إياك نعبد) على الاستعانة لأن العبادة لله جل جلاله وهي متعلقة باسمه (الله) الدال على صفة الإلهية المتضمن لها بخلاف (إياك نستعين) فإنه يتعلق باسمه الرب، ولا شك أن ما تعلق بالإلهية أنه مقدم على ما تعلق بالربوبية.

وبعض العلماء يجيب بقوله: وهي إجابات متقاربة لها وجه من النظر، بعضهم يقول: لأن (إياك نعبد) قسم الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو الثناء على الله عز وجل، الله قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين - يعني الفاتحة - فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) فقوله (إياك نعبد) متعلق بالله عز وجل، وهو حقه من العبادة والتوحيد والتأليه، وأما (إياك نستعين) فهو حق العبد، وهو القسم المتعلق به، فهو يتصل بالشطر الثاني من سورة الفاتحة.

وبعضهم يقول: لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، لأن العبودية إذا حققها العبد على الوجه المطلوب فإنه لا يصدر منه استعانة بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله وإلا يكون قد أشرك مع الله غيره شرك الاستعانة، لو استعان بصاحب قبر أو استعان بغائب لا يستطيع أن ينصره أو أن يفعل له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت