وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب وهو يكتب على نفسه فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي) إن رحمتي تغلب غضبي، ولو كان غضبه يغلب رحمته لم يبقى منا أحد، لم يبقى من المخلوقين أحد.
وأخرج مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد) وهذا هو الميزان، أن يلتفت العبد إلى هذا وهذا، فمن وقعت له ذنوب كثيرة وأراد أن يقبل ويتوب فعليه أن ينظر إلى جانب الرحمة وسعة الرحمة، ومن كانت عنده حسنات فوقع في قلبه شيء من العجب ولربما أدلى على ربه بهذه الحسنات فلينظر إلى عقوبة الله عز وجل، والأمور التي تخوفه منه، وهكذا المفرط الذي لا يرعوي ولا يتوب ولا يفكر في التوبة عليه أن ينظر بنصوص الوعيد التي تدل على شدة انتقام الله عز وجل ممن انتقم منهم.
وقد ثبت في الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة) هذه الرحمة المخلوقة، وفي رواية (كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة) وفي رواية: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها) وفي رواية: (حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وأخر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) .
وثبت في الصحيحين أيضًا من حديث عمر في قصة المرأة في سبي أوطاس التي جاءت بين السبي كأنها تبحث عن شيء فقدته فلقيت غلامًا فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر فقال لأصحابه: (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أرحم بعباده من هذه بولدها) .
بعد ذلك أقول: هذه الآية أو البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) نلاحظ أنه قدم اسم الله ثم ثنى بالرحمن ثم ثلث بالرحيم، فلماذا رتبت هذا الترتيب؟
وكذلك في سورة الفاتحة (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين) لماذا رتبها هذا الترتيب؟
فيقال: أو يمكن أن يقال: بأنه قدم اسمه الأعظم وهو (الله) للأمر الذي ذكرته قبل وهو ما يتضمنه هذا الاسم الكريم من المعاني التي ترجع إليها جميع الصفات، جميع الصفات: صفات الكمال لله عز وجل.
وكذلك أيضًا أن جميع الأسماء الحسنى ترجع إليه باللفظ من حيث إنها تعطف عليه دائمًا، ولا يعطف على شيء منها (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن) ما يقول: الملك القدوس السلام الله المؤمن المهيمن، فهي تعود إليه دائمًا من جهة اللفظ، ثم تأمل في هذا الاسم الكريم (الله) الذي يتضمن صفة الألوهية، فهي صفة لا تصلح للمخلوق بحال من الأحوال مهما عظم قدره وعلت مرتبته فالألوهية لا تجتمع مع العبد المربوب المخلوق الضعيف العاجز، فلا يصلح للمخلوق شيء من معاني الألوهية.