وَذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ إِلاَّ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وَبِهِ قَال الأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ لِمُؤْنَتِهِ، وَأَسْلَمُ لَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ.
قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لاَ أُحِبُّهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ، أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَيُخْتَارُ أَنْ يُنْقَل إِلَيْهَا لِفَضْل الدَّفْنِ فِيهَا، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُكْرَهُ نَقْلُهُ، وَقَال صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ: يَحْرُمُ نَقْلُهُ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ نَقْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ وَكَذَا بَعْدَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ بِشُرُوطٍ هِيَ:
-أَنْ لاَ يَنْفَجِرَ حَال نَقْلِهِ
-أَنْ لاَ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ
-وَأَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ: كَأَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ الْبَحْرُ، أَوْ تُرْجَى بَرَكَةُ الْمَوْضِعِ الْمَنْقُول إِلَيْهِ، أَوْ لِيُدْفَنَ بَيْنَ أَهْلِهِ، أَوْ لِأَجْل قُرْبِ زِيَارَةِ أَهْلِهِ، أَوْ دَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ، فَيُتَدَارَكُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا، وَدَفْنِهِ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلاَثَةِ كَانَ النَّقْل حَرَامًا. [1]
وقال الحافظ في الفتح:"واختُلِفَ فِي جَواز نَقل المَيِّت مِن بَلَد إِلَى بَلَد، فَقِيلَ: يُكرَه لِما فِيهِ مِن تَأخِير دَفنه وتَعرِيضه لِهَتكِ حُرمَته، وقِيلَ يُستَحَبّ، والأَولَى تَنزِيل ذَلِكَ عَلَى حالَتَينِ: فالمَنع حَيثُ لَم يَكُن هُناكَ غَرَض راجِح كالدَّفنِ فِي البِقاع الفاضِلَة، وتَختَلِف الكَراهَة فِي ذَلِكَ فَقَد تَبلُغ التَّحرِيم، والاستِحباب حَيثُ يَكُون ذَلِكَ بِقُربِ مَكان فاضِل كَما نَصَّ الشّافِعِيّ عَلَى استِحباب نَقل المَيِّت إِلَى الأَرض الفاضِلَة كَمَكَّة وغَيرها. والله أَعلَم." [2]
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (21/ 9)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (3/ 207)