القَوْمِ الفَاسِقِينَ [التوبة:96] ،قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة:118] .وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ" [1] ."
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بالبشارة من حيث هي، كما في الصحيحين عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ قَالَ: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» [2] .
ومن حق المجاهدين في سبيل الله على من بقي من المسلمين في البلد أن يستقبلوهم ويرحبوا بهم ويشعروهم بالاحترام والتقدير، لما نالوه من المشقة في سبيل الله تعالى وما واجهوا من التعب والمشقة في الحروب، من الجوع والعطش ومفارقة المضاجع والظلال، ولكونهم أدوا الفرض وأسقطوه عن غيرهم، وهكذا كان السلف يعملون وعلى
(1) - صحيح البخاري (6/ 3) (4418) وصحيح مسلم (4/ 2120) 53 - (2769)
(2) - صحيح البخاري (4/ 65) (3038) وصحيح مسلم (3/ 1359) 7 - (1733)
[ش (يسرا) خذا بما فيه من التيسير. (ولا تعسرا) من التعسير وهو التشديد. (بشرا) من التبشير وهو إدخال السرور. (ولا تنفرا) من التنفير أي لا تذكرا شيئا يهربون منه. (تطاوعا) تحابا وليطع كل منكما الآخر]
قَوله:"وبَعَثَ كُلّ واحِد مِنهُما عَلَى مِخلاف، قالَ واليَمَن مِخلافانِ"المِخلاف بِكَسرِ المِيم وسُكُون المُعجَمَة وآخِره فاءَ هُو بِلُغَةِ أَهل اليَمَن، وهُو الكُورَة والإِقلِيم والرُّستاق بِضَمِّ الرّاء وسُكُون المُهمَلَة بَعدها مُثَنّاة وآخِرها قاف. وكانَت جِهَة مُعاذ العُليا إِلَى صَوب عَدَن وكانَ مِن عَمَله الجَنَد بِفَتحِ الجِيم والنُّون، ولَهُ بِها مَسجِد مَشهُور إِلَى اليَوم، وكانَت جِهَة أَبِي مُوسَى السُّفلَى، والله أَعلَم.
قَوله:"يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا"قالَ الطِّيبِيُّ: هُو مَعنَى الثّانِي مِن باب المُقابَلَة المَعنَوِيَّة، لأَنَّ الحَقِيقَة أَن يُقال بَشِّرا ولا تُنذِرا وآنِسا ولا تُنَفِّرا. فَجَمَعَ بَينهما لِيَعُمّ البِشارَة والنِّذارَة والتَّأنِيس والتَّنفِير.
قُلت: ويَظهَر لِي أَنَّ النُّكتَة فِي الإِتيان بِلَفظِ البِشارَة وهُو الأَصل، وبِلَفظِ التَّنفِير وهُو اللاَّزِم، وأَتَى بِالَّذِي بَعده عَلَى العَكس لِلإِشارَةِ إِلَى أَنَّ الإِنذار لا يُنفَى مُطلَقًا بِخِلافِ التَّنفِير، فاكتَفَى بِما يَلزَم عَنهُ الإِنذار وهُو التَّنفِير، فَكَأَنَّهُ قِيلَ إِن أَنذَرتُم فَليَكُن بِغَيرِ تَنفِير، كَقَولِهِ تَعالَى: فَقُولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 61)