فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 234

بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ" [1] "

وروى البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ المَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ «إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ» [2]

والطاعة فيما يستطيعه المرء مندرجة تحت الأصل العام الوارد في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] ،وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] [3] ،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ

(1) - صحيح البخاري (1/ 21) (58)

(قام) أي جرير بن عبد الله وقد كان المغيرة واليا على الكوفة في خلافة معاوية رضي الله عنهم واستناب عند موته ابنه عروة وقيل استناب جرير بن عبد الله ولذا قام وخطب هذه الخطبة بعد موت المغيرة. [فتح] (الوقار) الرزانة. (السكينة) السكون والهدوء. (استعفوا) اطلبوا له العفو من الله تعالى].

(2) - صحيح البخاري (9/ 78) (7205)

(3) - هو رحمة من رحمة الله بعباده، وهم في متلاطم هذه الفتن الّتى تطلع عليهم من أنفسهم، ومن أهليهم وأقرب الناس إليهم، إنها حرب مشبوبة الأوار دائما، لا يستطيع الإنسان أن يدفعها عن نفسه، أو أن يدفع هو نفسه عنها، إلا إذا اعتصم بمعتصم يعصمه منها .. إذ كيف له بالتخلص من ذاته، ومن نزعات نفسه، ودفعات أهوائه؟ ونفرض أنه استطاع ذلك بعد مشقة وعناء، فكيف له بأن ينخلع عن زوجه وولده؟ إن ذلك لا يكون إلا بالانخلاع عن الحياة الدنيا جملة!! والإسلام دين واقع، ودين رحمة وعدل وإحسان .. لا يرى للناس إلا أنهم بشر تتحكم فيه نوازع، وعواطف، وتعرض لهم عوارض الضعف ..

ويلحقهم ما يلحق الكائن الحىّ من جهد وضعف .. ولهذا قامت هذه الشريعة على اليسر، وعلى رفع الحرج، كما يقول سبحانه: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (78:الحج) .. فقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .. هو الميزان الذي يقيم عليه المؤمن أمر دينه كله .. وأن يتقى هذه الفتن الّتى تهب عليه من كل جهة- أن يتقيها بقدر ما يملك من قوة، وما يحتمل من جهد .. والله سبحانه وتعالى يقول: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها .. لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» .

فكل نفس لها طاقة من الاحتمال، ولها قدر من القوة، وإنه على قدر طاقتها وقوتها، تحاسب، فتجزى بما كسبت، وعلى ما اكتسبت ..

ومن أجل هذا كانت شريعة الإسلام- مع عمومها- تنظر إلى ما في الناس- كأفراد- وإلى ما فيهم من قوة وضعف، فتكلف القوىّ بما لا تكلف به الضعيف .... التفسير القرآني للقرآن (14/ 992)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت