فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 234

-صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ صَالِحٍ، فَقَالَ لِي: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ قَوْلَهُ: «فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [6:3] [1]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [2]

وهذا أمر يعلمه الله تعالى من العبد فإن نَكَلَ عن الطاعة مدعيا عدم الاستطاعة كاذبا، فالله مُطَّلِع عليه، {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:94] .

(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 198) (18) صحيح

(2) - صحيح البخاري (9/ 94) (7288) وصحيح مسلم (2/ 975) 412 - (1337)

(دعوني) اتركوني ولا تسألوني. (بسؤالهم) كثرة أسئلتهم. (ما استطعتم) قدر استطاعتكم بعد الإتيان بالقدر الواجب الذي لا بد منه. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم هذا من قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم التي أعطيها - صلى الله عليه وسلم - ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام]

قالَ النَّووِيّ هَذا مِن جَوامِع الكَلِم وقَواعِد الإِسلام، ويَدخُل فِيهِ كَثِير مِنَ الأَحكام كالصَّلاةِ لِمَن عَجَزَ عَن رُكن مِنها أَو شَرط فَيَأتِي بِالمَقدُورِ. وكَذا الوُضُوء، وسَتر العَورَة، وحِفظ بَعض الفاتِحَة، وإِخراج بَعض زَكاة الفِطر لِمَن لَم يَقدِر عَلَى الكُلّ، والإِمساك فِي رَمَضان لِمَن أَفطَرَ بِالعُذرِ ثُمَّ قَدَرَ فِي أَثناء النَّهار إِلَى غَير ذَلِكَ مِنَ المَسائِل الَّتِي يَطُول شَرحها.

وقالَ غَيره فِيهِ أَنَّ مَن عَجَزَ عَن بَعض الأُمُور لا يَسقُط عَنهُ المَقدُور، وعَبَّرَ عَنهُ بَعض الفُقَهاء بِأَنَّ المَيسُور لا يَسقُط بِالمَعسُورِ، كَما لا يَسقُط ما قَدَرَ عَلَيهِ مِن أَركان الصَّلاة بِالعَجزِ عَن غَيره، وتَصِحّ تَوبَة الأَعمَى عَن النَّظَر المُحَرَّم، والمَجبُوب عَن الزِّنا، لأَنَّ الأَعمَى والمَجبُوب قادِرانِ عَلَى النَّدَم فَلا يَسقُط عَنهُما بِعَجزِهِما عَن العَزم عَلَى عَدَم العَود، إِذ لا يُتَصَوَّر مِنهُما العَود عادَة فَلا مَعنَى لِلعَزمِ عَلَى عَدَمه. ستُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَن أُمِرَ بِشَيءٍ فَعَجَزَ عَن بَعضه فَفَعَلَ المَقدُور أَنَّهُ يَسقُط عَنهُ ما عَجَزَ عَنهُ، وبِذَلِكَ استَدَلَّ المُزَنِيُّ عَلَى أَنَّ"ما وجَبَ أَداؤُهُ لا يَجِب قَضاؤُهُ"ومِن ثَمَّ كانَ الصَّحِيح أَنَّ القَضاء بِأَمرٍ جَدِيد. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 262)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت