فهرس الكتاب
المَذمُومَة، وضابِط المُداراة أَن لا يَكُون فِيها قَدح فِي الدِّين، والمُداهَنَة المَذمُومَة أَن يَكُون فِيها تَزيِين القَبِيح وتَصوِيب الباطِل ونَحو ذَلِكَ.
وفِي الحَدِيث تَعظِيم الأُمَراء والأَدَب مَعَهُم وتَبلِيغهم ما يَقُول النّاس فِيهِم لِيَكُفُّوا ويَأخُذُوا حِذرهم بِلُطفٍ وحُسن تَأدِيَة بِحَيثُ يَبلُغ المَقصُود مِن غَير أَذِيَّة لِلغَيرِ.] [1] .
قلت: وإنما قلت الأفضل النصح سرا، ولم أقل الواجب، لأنه وردت أدلة أخرى على النصح علانية.
* منها مراجعة المرأة لعمر بن الخطاب بشأن مهور النساء، فعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ:"أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ"ثُمَّ نَزَلَ , فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ , فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ قَوْلُكَ؟ قَالَ:"بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى , فَمَا ذَاكَ؟"قَالَتْ: نَهَيْتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء:20] ,فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:"كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ"مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا, ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ:"إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ". [2]
* ومنها نُصح الصحابي عائذ بن عمرو للأمير عمرو بن سعيد الأشدق بشأن حُرْمَة القتال في مكة، فيما رواه البخاري عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ:- وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغَدَ مِنْ يَوْمِ
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 51)
(2) - السنن الكبرى للبيهقي (7/ 380) (14336) وجامع بيان العلم وفضله (1/ 530) (864) ومصنف عبد الرزاق الصنعاني (6/ 180) (10420) وفتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (9/ 204) صحيح لغيره
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَرَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ لِلنَّاسِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِيهِ، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، فَرِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا، ثُمَّ قَدْ كَانَ مِنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ"شرح مشكل الآثار (13/ 58) "