فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 234

الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ" [1] ."

* قال ابن القيم رحمه الله:"وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: لَا نَسْمَعُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك ثَوْبَانِ، فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا"

(1) - صحيح البخاري (1/ 32) (104) وصحيح مسلم (2/ 987) 446 - (1354)

[ش عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي يعرف بالأشدق وكان واليا على المدينة أيام يزيد بن معاوية قال في الفتح ليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان. (يبعث البعوث) يرسل الجيوش لقتال عبد الله بن الزبير لأنه امتنع من مبايعة يزيد واعتصم بالحرم. (ووعاه) فهمه وحفظه. (يسفك) يريق. (يعضد) يقطع. (ترخص لقتال) احتج لجواز القتال فيها وأنه رخصة عند الحاجة بقتلاه - صلى الله عليه وسلم -. (الشاهد) الحاضر. (لا يعيذ عاصيا) لا يحميه من العقوبة. (فارا بدم) قاتلا عمدا اتجأ إليه خوف القصاص. (فارا بجزية) سارقا احتمى به حتى لا يقام عليه الحد]

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ دَخَل الْحَرَمَ مُقَاتِلًا وَبَدَأَ الْقِتَال فِيهِ، يُقَاتَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} .

وَكَذَلِكَ مَنِ ارْتَكَبَ فِي الْحَرَمِ جَرِيمَةً مِنْ جَرَائِمِ الْحُدُودِ أَوِ الْقِصَاصِ مِمَّا يُوجِبُ الْقَتْل فَإِنَّهُ يُقْتَل فِيهِ اتِّفَاقًا لاِسْتِخْفَافِهِ بِالْحَرَمِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي قِتَال الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ عَلَى أَهْل الْعَدْل فِي الْحَرَمِ إِذَا لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَال. فَذَهَبَ طَاوُسٌ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَوْل الْقَفَّال وَالْمَاوَرْدِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ فِي الْحَرَمِ مَعَ بَغْيِهِمْ. وَلَكِنَّهُمْ لاَ يُطْعَمُونَ وَلاَ يُسْقَوْنَ وَلاَ يُؤْوَوْنَ وَلاَ يُبَايَعُونَ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنَ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قَال مُجَاهِدٌ: الآْيَةُ مُحْكَمَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ قِتَال أَحَدٍ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يُقَاتِل وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِذَا الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، أَوْ طَائِفَةٌ مِنَ الْبُغَاةِ، أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ فِي الْحَرَمِ .. وَهَذَا قَوْل سَنَدٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ هَارُونَ فِي الْحَاصِرِ مِنَ الْحَجِّ، وَحَكَى الْحَطَّابُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ قِتَال أَهْل مَكَّةَ إِذَا بَغَوْا عَلَى أَهْل الْعَدْل، قَال: وَهُوَ قَوْل عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا"الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (17/ 189) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت