فهرس الكتاب
مِنَ النَّجْشِ رَفْعِ الثَّمَنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ: مِنَ النَّجْشِ مَعْنَى التَّنْفِيرِ أَيْ لَا يُنَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يُسْمِعَهُ كَلَامًا أَوْ يَعْمَلَ شَيْئًا يَكُونُ سَبَبَ نُفْرَتِهِ (وَلَا تَحَاسَدُوا) أَيْ: لَا يَتَمَنَّى بَعْضُكُمْ زَوَالَ نِعْمَةِ بَعْضٍ سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لَا. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32] إِلَى أَنْ قَالَ:" {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32] "أَيْ مِثْلَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أَوْ أَمْثَلَ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَسَدُ الْمَحْمُودُ الْمُسَمَّى بِالْغِبْطَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ" «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» "الْحَدِيثَ. (وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ: لَا تَخْتَلِفُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ ; لِأَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَالضَّلَالُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ الْبُغْضَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبَاغُضِ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالتَّحَابُبِ مُطْلَقًا إِلَّا مَا يَخْتَلُّ بِهِ الدِّينُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ التَّحَابُبُ، وَيَجُوزُ التَّبَاغُضُ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحَابُبَ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّبَاغُضُ مُوجِبُ الِافْتِرَاقِ، فَالْمَعْنَى لَا يُبْغِضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أَيْ لَا تَشْتَغِلُوا بِأَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ إِذِ الْعَدَاوَةُ وَالْمَحَبَّةُ مِمَّا لَا اخْتِيَارَ فِيهِ، فَإِنَّ الْبُغْضَ مِنْ نِفَارِ النَّفْسِ عَمَّا مَا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَأَوَّلُهُ الْكَرَاهَةُ، وَأَوْسَطُهُ النُّفْرَةُ، وَآخِرُهُ الْعَدَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْحُبَّ مِنِ انْجِذَابِ النَّفْسِ إِلَى مَا يَرْغَبُ فِيهِ، وَمَبْدَؤُهُ الْمَيْلُ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ، ثُمَّ الْمَوَدَّةُ وَهُمَا مِنْ غَرَائِزِ الطَّبْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: لَا تُوقِعُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ النَّمِيمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْسِيسِ الْفَسَادِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِذَا دَعَتْ كَمَا لَوْ أُخْبِرَ أَنَّ إِنْسَانًا يُرِيدُ الْفَتْكَ بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ أَوْ بِمَالِهِ، فَلَا مَنْعَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا. (وَلَا تَدَابَرُوا) :بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِيهِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُ التَّاءِ وَصْلًا كَمَا قَرَأَ بِهِ الْبَزِّيُّ رَاوِي ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ نَحْوِ: لَا تَيَمَّمُوا أَيْ: لَا تُقَاطِعُوا، وَلَا تُوَلُّوا ظُهُورَكُمْ عَنْ إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تُعْرِضُوا عَنْهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّبُرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَقَاطِعَيْنِ يُوَلِّي دُبُرَهُ صَاحِبَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْتَابُوا. (وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) :خَبَرٌ آخَرُ أَوْ بَدَلٌ، أَوْ هُوَ الْخَبَرُ وَعِبَادُ اللَّهِ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالنِّدَاءِ.