وأريد من خلال هذا التمهيد ذكر بعض ما يجلي هذه الأهمية ليظهر لنا من خلال ذلك جملة من المحددات التي تساعدنا وتساندنا في تحقيق الأهداف التي نتوخاها من هذا البحث، ويمكنني إجمال أهم النقاط فيما يلي:
1 -التفسير الموضوعي يشكل عاملا مهمّا في رسم الحلول لمشكلات المسلمين المعاصرة، ويساعد في تقديم هذه الحلول على أساس القرآن الكريم، سواء أكانت هذه الحلول في المجال الاجتماعي أم الاقتصادي أم السياسي ... إلى غير ذلك من مجالات الواقع البشرية.
2 -يكشف التفسير الموضوعي عن المقاصد الأساسية للقرآن الكريم والمتمثلة في هدايته وإعجازه بطريقة يسهل تناولها والتعامل معها وفق متطلبات العصر الذي تتوجه مناهجه التربوية والتعليمية والأكاديمية إلى التجزيء والتفصيل ...
3 -التفسير الموضوعي يعطي الدلالة الواسعة الواضحة للأمر الإلهي بتدبر كلامه الكريم، وهو يعطي صورة متكاملة مترابطة عن نتائج هذا التدبر.
4 -يلبي التفسير الموضوعي حاجة الناس المعاصرة، وحاجة المناهج والمنهجيات العلمية الحديثة في التعامل مع الموضوعات ودراستها، والخروج بالنتائج التكاملية في حقلها وميدانها مجمعة غير مبعثرة.
5 -التفسير الموضوعي هو الوسيلة المنهجية العلمية للارتفاع بمستوى التفكير العلمي الموضوعي عند الباحثين.
6 -يعزز الإقبال على القرآن الكريم وموضوعاته، ودراستها بيسر، واستيعاب أفكاره، دون الحاجة من القارئ إلى تتبع ما يريد في الموضوعات التفسيرية الكبيرة.
وعن طريقه تتجلى حقائق قرآنية، وسنن إلهية في الكون والحياة، ما كان للإنسان أن يقف عليها بغير هذا ال لون من التفسير.
7 -كما يعطي التفسير الموضوعي الفرصة للعلماء المسلمين بتأصيل الكثير من العلوم الإنسانية والطبيعية والحضارية المختلفة، تأصيلا قرآنيا شرعيا، تتكون لها شخصيتها وهويتها القرآنية.
8 -إنه يساعد في دفع كثير من الشبهات التي أثيرت حول الموضوعات القرآنية، التي يظن أنها غير مترابطة، فتغلق بذلك أبواب من الفتن، وتفشل المخططات العدوانية، وتضيق منافذ الغزو الفكري لمن يتربص بالإسلام الدوائر.
9 -كما يعطي هذا اللون صورة مشرقة وحضارية للقرآن والإسلام، يساعد على تقبله ونشره، والدعوة إليه بما يتوائم مع الفطرة الإلهية، والصبغة الربانية، فتسري أنواره في القلوب، وتتسارع هداياته إلى العقول، فيقبل الناس عليه بقناعة وقوة.
10 -كما أن هذا اللون من التفسير يساعد على غلق باب ما يوهم التعارض عند بعض العقول القاصرة، سواء بين آيات الكتاب العزيز، أو بينها وبين بعض الآثار.
المطلب الأول: مفاهيم وتعريفات للتفسير الموضوعي
عرف العلماء المعاصرون التفسير الموضوعي تعريفات مختلفة تبعا للهدف الذي يرمي إليه كل واحد منهم، متأثرين بالأشكال والأنواع التي يميلون إليها في تحديد التفسير الموضوعي. ولذلك جاءت التعريفات في جانب من جوانبها قاصرة لا تعبر عن التفسير الموضوعي بصفة شاملة، وفي جانب آخر جاءت فضفاضة واسعة لا تعطي تحديدا دقيقا منضبطا للتفسير الموضوعي. كل ذلك أدى إلى تداخل واسع في قضايا التعامل مع القرآن الكريم تتعدى المفهوم الدقيق الذي يجب أن يشمله التفسير الموضوعي بعيدا عن التداخل فيما بين أنواعه أو فيما أضيف إليه مما لا يقبل كعلم المناسبات.
وإذا نظرنا في هذه التعريفات نجدها تدور إما حول المنحى التجميعي، وإما الوحدة الموضوعية وبعضها يكون كالشرح والإيضاح.
لأجل هذا أود في هذا المطلب أن نصل إلى تعريف محدد واضح يسد الثغرات في التعريفات السابقة، ويستثمر جهود العلماء السابقين في بلورة هذا المفهوم بعيدا عن تلك التفريعات والتعميمات التي نراها عند من سبق، وليس المقصود ضبط مفهوم كلمة (تفسير) أو كلمة (موضوع) كما فعل بعض العلماء، وإنما مقصودنا تحديد الأنواع بتحديد المفهوم
ومما تجدر الإشارة إليه هنا ونحن نتحدث عن الجهود السابقة أننا إذ نطرحها للحوار والنقد فان ذلك لا يعني التقليل من قيمتها وقدرها، ولكننا ندرك أن تأخر تناول هذا العلم إلى زمن قريب من أهم العوامل التي أسهمت في تعدد هذه التعريفات واختلافها، ومع ذلك فالجهد آخذ بالنضج في التأصيل والضبط سائلين المولى أن يوفقنا في ذلك، ولا ضير في هذا التناول لأن جدة الموضوع وحداثته تجعله يحتاج إلى اجتهادات قد تطول مدتها ليأخذ الشكل النهائي.
ولأجل الفائدة والوصول إلى المطلوب سوف أورد التعريفات التي ذكرها العلماء، ثم أحدد من خلالها القدر المشترك والمتباين بينها.
ومن المعاني التي ذكرها العلماء لمفهوم التفسير الموضوعي ما ذكره عبدالستار فتح الله سعيد، حيث يقول هو"جمع الآيات الكريمة ذات المعنى الواحد، ووضعها تحت"