بحثية مفضية إلى الانتفاع منه في خدمة قضايا القرآن وموضوعاته، وأيضا خدمة الأمة والعالم فيما يحتاجه من الوعي على تشريعات القرآن الكريم وتوجيهاته بشكلها المتكامل المتناسق.
وبعد هذا، فليس مهما كثيرا أن نتفق على ألفاظ بعينها في تحديد مفهوم التفسير الموضوعي أو نختلف، إنما يهمنا المضمون سواء أعددناه"علما"أم"منهجا"أم"فنا"، أم غير ذلك. إنني أرى أن نحدد مفهوم التفسير الموضوعي بأن نقول:"هو منهج تفسيري، يبحث في القرآن الكريم بقصد تركيب صورة قرآنية شاملة حول موضوع ما من الموضوعات التي طرقها القرآن الكريم، سواء أكان ذلك لإبرازها في ذاتها، أم لمعالجتها في الواقع". ومع علمي بأنه سيكون هناك شيء من الاعتراض أو التعديل على هذا المفهوم إلا أن الأمر كان يستحق مني المحاولة.
وما ذكره العلماء من الأنواع الأخرى أو الألوان الأخرى للتفسير الموضوعي، فإنا لا نلغيها أو نتجاوزها أو نقلل من قيمتها، إنما يمكن أن نأخذ بأسمائها ومسمياتها خطّا منهجيا آخر يتناسب وطبيعتها، بعيدا عن التفسير الموضوعي. وإذا كان الأمر كما يقال"لا مشاحة في المصطلحات"، فلا حرج إذن أن تأخذ تلك الألوان أو الأنواع اصطلاحات جديدة ومفاهيم أخرى تؤسس لها وترسم لها خطا منهجيا دقيقا.
إن الهدف من ذلك كله أن تستقل الدراسة القرآنية المهتمة ببحث القضية القرآنية بهذا الاهتمام، وتستأثر باسم التفسير الموضوعي ليخدم ذلك رسالة القرآن ومشروعه في إنقاذ البشرية ومعالجة قضاياها. وإذا وجد الآن من يرى التكلف فيما أرمي إليه أو أَهْدِف، فإني أرى قريبا أن كثيرا من الدراسات، ستتوجه وفق هذا الخط المنهجي، الذي حاولت استجلاء ملامح تطوره ونمائه بما هو متناسب ومتناسق مع طبيعة العلوم، وتطور العلم والتخصصية الدقيقة في كل فن من الفنون.
المطلب الأول: تداخل المفاهيم وتحديد المنهج
من الضروري - قبل أن نتحدث عن منهج التفسير الموضوعي - أن نقف مع الجهود السابقة في هذا المجال، وبخاصة أن المعتمد عندنا في دراستنا هذه البُعْد التحليلي النقدي، وما ينبغي أن نقف معه في هذه الجهود هو دراسة هذا التطور في تحديد المفاهيم والمصطلحات، وفي تحديد ما ينبني على ذلك من خطوات وإجراءات أسهمت جميعها في تطوير شكل التفسير الموضوعي وتحديد منهجية البحث فيه.
ومن أكثر الإشكالات التي واجهتني هنا تحديد المصطلحات المتعددة من مثل"منهجية البحث"و"خطوات البحث"و"إجراءات البحث"و"قواعد ومنطلقات منهجية للبحث"وغيرها، وكلها طبعا مقصودة في سياق التفسير الموضوعي.
ومن الإشكالات أيضا: التداخل بين مقتضيات ومجريات هذه المصطلحات والمفاهيم التي يوردها كل باحث وكاتب بحسبه.
ومن الإشكالات أيضا: ما وجدته من التداخل بين الإجراءات البحثية العامة - غير المختصة بالتفسير، أو التفسير الموضوعي - والإجراءات الخاصة المرتبطة بمنهجية البحث في التفسير الموضوعي ذاته.
كما كان من أكثر الإشكالات: ذاك التزامن الذهني والعقلي عند الكاتبين بين ما يراه من تعدد ألوان التفسير الموضوعي، حيث تبرز عنده توافقات أو تباينات بين هذه الخطوات والإجراءات تبعا لاستصحابه هذه الألوان.
كل هذا شكل ثراء لموضوع البحث، وجعل الأمر مستحقا للدراسة تحليلا ونقدا وضبطا للمنهج.
وعلى الرغم من ذلك، فليس من مقصودي في هذا البحث الوقوف مع كل الجهود السابقة لعرضها جميعها وتحليلها، فهذا أمر يطول ولا يتناسب مع طبيعة البحث، لكنني سأقدم عنها صورة دقيقة مجملة تحق مقصود البحث في رصد هذا التباين بين العلماء والحاجة فيه إلى توحيد الجهود وتنظيمها.
كما لا يفوتني هنا التنبيه على أن مقصودي الأساسي سيكون متوجّها إلى ما خلصت إليه في المبحث الأول من تحديد مفهوم التفسير الموضوعي وتحديد ألوانه، حيث سيكون المنهج الذي أرسمه متناسبا مع ما وضحناه هناك من مفهوم التفسير الموضوعي وراتباطه بشكل أساسي بالموضوع القرآني.
ونبدأ الآن بتحديد مسارات العلماء في الحديث عن منهجية البحث في التفسير الموضوعي.
إن أبرز ما يواجهنا في ذلك تعدد الاصطلاحات الدالة على مراد كل باحث أو كاتب في منهجية البحث في التفسير الموضوعي.
ففي الوقت الذي نجدها فيه عند عبد الحي الفرماوي - وكتابه طبع 1976 م - تحت عنوان: (منهج الدراسة في التفسير الموضوعي) ، نراها عند الشيخ الكومي - وقد طبع كتابه عام 1980 م - تحت عبارة: (أول ما يجب على الباحث في التفسير الموضوعي) ، كما نجدها عن الدكتور أحمد جمال العمري، تحت عنوان: (طرق البحث في التفسير الموضوعي) ، كذلك نجدها عند الدكتور صلاح الخالدي، وعند الدكتور زياد الدغامين تحت عنوان متقارب: (خطوات مرحلية - أو إجرائية -