الصفحة 6 من 13

تحديد ذلك، منبعه اختلاف زوايا النظر وتعدد المشارب (1) ، وإذا نظرنا للنوع الثالث وهو"المصطلح القرآني"فإن هناك جملة من الاعتراضات ترد على هذا النوع:

1 -فإن كان المقصود من هذه الدراسة تناول مصطلح ورد في القرآن مثل مصطلح"الجهاد"، أو"التفسير"، أو"التأويل"، فإنه يلتقي تماما مع دراسة الموضوع القرآني، فليس ثم فرقٌ.

2 -وإن كان المقصود دراسة الدلالة المعجمية لاستعمال القرآن هذا المصطلح في سياقته المتعددة والمختلفة، فإن هذا يختلف عن التفسير الموضوعي من حيث الغاية والهدف ومنهجية البحث.

3 -إن البحث عن لفظة واستخداماتها في القرآن لا يتأتى لجميع مفردات القرآن، فكما أن بعض المفردات وردت في القرآن مئات المرات، هناك كثير من المفردات لم تذكر إلا مرة واحدة في القرآن كله، ومن ثم تكون الدراسة مقتصرة على مفردات بعينها، والتفسير الموضوعي يجب أن يتعامل مع كل ما طرحه القرآن الكريم من موضوعات باطراد.

4 -"إن البحث عن لفظة واستخدامها في القرآن لا يقصد منه التفسير الموضوعي في أغلب الأحيان، ولكن المقصود هو التعرف بجلاء على المعنى الدقيق لمفردات القرآن من خلال الاستعمال القرآني لها، والوقوف على الظلال الدلالية لتلك المفردة تبعا للسياق الذي ترد فيه، ولكنه لا يبني موقفا ..." (2) .

5 -إن مثل هذه التقسيمات ستقود حتما إلى تجزيئية مفهوم التفسير الموضوعي بحيث تشكل عائقا من إعطاء التصور الشمولي الدقيق لحقائق القرآن كما ينبغي أن يجليها هذا النوع من التفسير.

إننا لا نهدف من كل هذا التحديد التضييق أو الحجر على الجهود البحثية في هذا المجال، لكننا نريد ضبطا وتحديدا لمفهوم التفسير الموضوعي تقديرا لدوره من جهة، وتعزيزا لدور الدراسات الأخرى في سياقها من جهة أخرى، بحيث تكون مستقلة في ذاتها، ومنسجمة في دورها مع ما يوافقها من أنواع التفسير والبيان القرآني.

بقي النوع الرابع التي تحمس له الدكتور عبدالحميد غانم وعدّه نوعا من أنواع التفسير الموضوعي وسماه"تتبع العلاقات". وهذا الأمر يكشف عن مدى الحاجة إلى ضبط مفهوم التفسير الموضوعي حتى لا تتداخل فيه قضايا التفسير عموما، وحتى تكون له شخصيته المستقلة على الرغم من تداخل العلاقات والوشائج المنهجية والموضوعية بين أنواع التفسير بشكل عام.

إننا نجد في جهود العلماء والمفسرين اهتماما واضحا بدراسة التناسب والتناسق القرآني في أشكاله المختلفة والمتعددة.

وقد أفردت دراسات عدة في بحث هذا النوع - أقصد التناسب والتناسق - سواء في جانبه التطبيقي أم جانبه التقعيدي والتأصيلي.

وليس المجال متسعا هنا لأن نعرض جميع ما يخص هذا العلم في مفهومه وأنواعه وموقف العلماء منه، ويمكن لأي أحدٍ الرجوع للكتب التي عنيت بهذا الشأن (3) ، لكننا - ونحن نحاول تشكيل مفهوم جديد للتفسير الموضوعي يضبط أنواعه ومنهج البحث فيه - نجد لزاما مناقشة صلة علم التناسب بالتفسير الموضوعي. فإذا كان علم المناسبات يبحث في الرباط القرآني أو النظام كما يحلو للبعض أن يسميه، وهو"أن تكون السورة وحدة متكاملة، ثم تكون ذات مناسبة بالسورة السابقة واللاحقة أو بالتي قبلها أو بَعْدَها على بُعْد ما ... كما أن الآيات ربما تكون كالجمل المعترضة، وكذلك السور قد تكون كالجمل المعترضة، وعلى هذا الأصل نرى القرآن كله كلاما واحدا ذا مناسبة وترتيب في أجزائه من الأول إلى الآخر (4) ."

أو كان كما يسميه البقاعي:"علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة" (5) . فمن غير الممكن أن نعدّ هذا الجهد - على جلالة قدره، وعظيم شأنه - لونا من ألوان التفسير الموضوعي، ذلك أن علم التناسب له ارتباطه بجميع أنواع التفسير، ولا يستغني عنه دارس للقرآن الكريم، تجده متصلا بالتفسير الإجمالي والتحليلي والمقارن ... وليس كونه رابطا لسور القرآن وآياته في تشكيل وحدة واحدة أمرا علميا أو منهجيا يجعلنا نعده لونا من ألوان التفسير الموضوعي، فنحن نريد في تحديد مفهوم التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه أن نبين حدود هذا المصطلح وتطبيقاته حتى لا تبقى المسألة في دائرة العموم ينضوي تحتها كل حالة اتصال أو شبهة اتصال به.

نعم يمكننا أن نعدّ دراسة علم المناسبات في باب تحديد وحدة القرآن الموضوعية والعضوية، لكن ذلك يبقى بعيدا عن مفهوم المعالجة القرآنية لقضية أو لموضوع أو لأمر من الأمور، وهو ما يصلح أن يكون تفسيرا موضوعيا. وبناء على هذا، فإني أرى أن لا ندخل هذا النوع تحت مفهوم التفسير الموضوعي، بل يبقى في شأنه المستقل ليحقق شخصيته ومكانته في ألوان التفسير وقضاياه عموما.

وبعد هذا التطواف يبقى أمر مهم وهو الخلاصة العلمية والمنهجية لمحتوى هذا النقاش، فإننا هنا ملزمون أن نحدد مفهوما واضحا للتفسير الموضوعي ينبني عليه تحديد نوع البحث فيه ومنهجه.

ومرة أخرى لا بد من التأكيد على أننا لا نريد مخالفة العلماء الباحثين - معاذ الله - أو أن نضيق على الباحثين، إنما مقصدنا وهدفنا المحدد الواضح أن يكون هناك ضبط لمفهوم التفسير الموضوعي لأجل إشهاره والاهتمام به وفق منهجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت