بيانا للمفهوم. ومن الضروري أن يكون هناك فرق بين المنهج والمفهوم، وأن لا تختلط فيه الأمور لدى الباحثين أو الدارسين، فالتعريف شيء، والخطوات المتبعة والقواعد المعتمدة في إنجاز البحث شيء آخر. لأجل هذا سوف نناقش التعريفات السابقة لنحدد على أساس ذلك مفهوم التفسير الموضوعي، ومن ثم أنواعه بما ينسجم والمفهوم.
إذا نظرنا في هذه التعريفات، فإننا نستخلص منها آراء العلماء وفق التقسيمات التالية:
أولا: من يرى التفسير الموضوعي في تناول دراسة الموضوع القرآني في القرآن كله.
ثانيا: من يرى إضافة إلى النوع الأول أنه يشمل دراسة الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، أو الموضوع القرآني في السورة القرآنية.
ثالثا: من يرى إضافة إلى النوعين السابقين، أنه يشمل دراسة المصطلح القرآني.
رابعا: من يرى إضافة إلى الأنواع السابقة أنه يشمل"تتبع العلاقات أو ما يمكن تسميته بالمناسبات بين الآيات والسور."
وقد أصبح الأمر بعد هذا التنوع والتعدد ضروريا لتحديد هذه الأنواع ومناقشة قيمتها وجدواها في دائرة التفسير الموضوعي. والذي يظهر جليا اتفاق العلماء - من المتحدثين والمؤلفين في التفسير الموضوعي - على عدّ النوع الأول الأظهر والأوفق لمعنى التفسير الموضوعي.
يقول الدكتور صلاح الخالدي:"الموضوع القرآني هو اللون الثاني من ألوان التفسير الموضوعي، وهو أقرب الألوان الثلاثة إلى حقيقة التفسير الموضوعي، ولهذا هو أهم هذه الالوان (1) ."
ويقول الدكتور زياد الدغامين: وتقوم هذه الفكرة - فكرة التفسير الموضوعي - اليوم - عند الأعم الأغلب من الباحثين - على الانطلاق من أحد الموضوعات التي تظهر من خلال الآيات القرآنية، وقصر الهمّ عليه، كشفا عن معانيه، وبحثا في حقائقه، وإبرازا لأسرار هدايته، وإظهارا لوجوه إعجازه (2) .
إلا أننا نجد الاختلافات والتباينات بين العلماء فيما عدي هذا النوع. ولو جئنا إلى النوع الثاني، وهو دراسة الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، أو دراسة الموضوع القرآني في السورة القرآنية الواحدة، والذي تحمس له كثير من الباحثين بِعدّه لونا أو نوعا من ألوان وأنواع التفسير الموضوع، فإن الأمر فيه يحتاج إلى توضيح وتصحيح.
وهذا الأمر يتطلب منا أن نفهم حقيقة أهمية التفسير الموضوعي في أنه يبحث في بيان تلك الوحدة الجامعة التي تربط بين أجزاء الموضوع الواحد بحسب حديث القرآن عنه في شكله المتكامل وليس الجزئي، إنه الكشف عن ذلك الموضوع الذي تفرقت عناصره في القرآن، وإظهار تلك العناصر، وبيان تلك الروابط التي تجمع بينها، ومعرفة منهج القرآن في تناوله.
وعلى ذلك فإن تناول حديث سورة من سور القرآن وإفرادها بذلك في الموضوع الذي تتحدث عنه دون النظر في جميع القرآن، إنما هو تقاصر عن الهدف الحقيقي لما ينبغي أن تكون عليه فكرة التفسير الموضوعي، وإذا كنا نقبل مثل هذا الشكل فلأنه يمثل لبنة أولية في دراسة الموضوع بشكله المتكامل، ولأنه يعدّ سبيلا في تجلية خصائص السور القرآنية وبيان مقاصدها، لذلك فأن نعدّه من باب التفصيل في خصائص السورة القرآنية أولى من أن نعدّه من باب التفسير الموضوعي.
إن انفراد سورة قرآنية في إبراز موضوع معين يدل على شخصية هذه السورة ومنهجها في إيراد هذا الموضوع، ولا يمكن أن نقتصر على حديث هذه السورة وحدها إن كنا نريد تصورا قرآنيا شاملا عن الموضوع.
وقد يفرق البعض بين الوحدة القرآنية في السورة والموضوع القرآني في السورة.
يقول الدكتور الدغامين:"فالموضوع القرآني في السورة شيء، والوحدة القرآنية فيها شيء آخر، فيمكن تناول موضوع الربا في سورة البقرة مثلا، لكن لا يمكن القول أن الوحدة الموضوعية في سورة البقرة هي الربا، مع التسليم بأن تحريم الربا واحد من مقاصد المعاملات المالية في سورة البقرة (3) ."
وهذا الكلام بهذا التفريق صحيح ودقيق، لكنه على الاعتبارين لا يصح عدّه نوعا من أنواع التفسير الموضوعي لما أسلفنا.
وليس لأحد أن يحتج علينا بتعدد الدراسات في أعلى مستوى من كبار أعلام التفسير من مثل دراز، وشلتوت، والغزالي، والكومي ... وغيرهم في دراسة الوحدة الموضوعية في السور القرآنية، نعم لقد وجدنا من يعترض فكرة الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية (4) ، لكن هذا الرأي لا ينتمي لفكرتي في هذا البحث، حيث أني أثبتّ الوحدة الموضوعية، إلا أنني أعترض على عدّ هذا الشكل من الدراسات من باب التفسير الموضوعي. إننا لا نرفض هذا النوع من الدراسات ولا بحال من الأحوال. إنما الذي نحرص عليه ونؤكده أن هذا النوع لا يمكن أن يعدّ من باب الكشف عن خصائص السورة ومقاصدها، وهو أساس أولي في - اعتقادي - لتكامل التفسير التحليلي للسور القرآنية، وبخاصة أننا نجد اجتهادات متعددة للعلماء في تحديد مسارات هذه الوحدة لكل سورة، ونجد أفهاما متعددة واختلافات ظاهرة في