فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 128

وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْمًا مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا ، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ ، وَالكُفْرِ ، وَالمَعَاصِي ( نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) ، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا .

وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكَرُوا لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ ( أَكْنَّةً ) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَثِقَلًا لِكَيْلاَ يَسْمَعُوهُ . وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَدًا .

وَرَبُّكَ هُوَ اللهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ، يُمْهِلُ النَّاسَ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ ، فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وَيَرْحَمَهُمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَلَوْ أَنَّهُ آخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ وَلأَهْلَكَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مُعَيَّنًا لاَ مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلاَ مُحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ [1] .

أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال: { بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه، ولهذا قال: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أي:

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2197)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت