[الكاتب: يوسف محي الدين أبو هلالة]
ألا إنها الدنيا ممر ومعبر ... ... بذاك قضى الباري وتم المقدر
قضيت وما للمرء من أمر ربه ... ... مفر وأمر الله للخلق يقهر
أترحل؟ لا الأحباب من فيضك أرتوت ... ... ولم يرو من عذب الأحاديث معشر
الى أين؟ لا الأفغان لموا جراحهم ... ... ولا من يد المحتل"كابول"حرروا
"جلال اباد"ما اشتفى بعد صدرها ... ... ولا انجاب عنها قاتم الغزو أغبر
ولما تزل في"قندهار"نوازل ... ... لروعتها صم الصفا تتفطر
وأهلك غرب النهر أذكت حماسهم ... ..."حماس"وباسم الله شدوا وكبروا
أتمضي ولما تبلغ الشوط خيلهم؟ ... ... ولا"القدس"من رجس المغيرين طهروا
فمن يحشد الأبطال بعدك للفدا؟ ... ... ومن بالجهاد الحق فينا يذكر
تمهل قليلا فالمعارك ما انتهت ... ... وريح المعالي في الميادين تزأر
أيا بطلا هز الجهاد افتقاده ... ... هو البحر يصفو تارة ثم يهدر
سطعت بساحات الجهاد منارة ... ... لو انطفأت كل المصابيح، تزهر
وحزت أفانين المعالي كأنها ... ... مدارات أفلاك لها أنت محور
إذا التطمت هوج المنايا وزمجرت ... ... فلن يقحم الأهوال إلا الغضنفر
وعن ساقها يوما إذا الحرب شمرت ... ... بك الضرب يزهى والبطولات تفخر
تركت مكانا لا يسد فراغه ... ... وذلك صدع كسره ليس يجبر
أهالي"فلسطين"احتسوا أكؤس الشجى ... ... وجرح"حماس"فيك ما عاد يضمر
وما قادة الأفغان إلا نجائب ... ... بفقدك أضنتها المصيبة ضمر
سيبكيك"سبع الليل" (1) ماجمعة دنت ... ... ويلتاع محراب وينشج منبر
وهيهات ينسى يوم كنت إمامه ... ... كليث على باب العرين يزمجر
لك الصدق يغني عن هراء منمق ... ... ويخرس من بالزيف قام يهرهر
وقول يشع النور من ومضاته ... ... يروق كما راق النواظر جوهر
ترى فيه من عمق المحيطات ما ترى ... ... وباطنها المستور بالدر يزخر
وروح من الايمان فيها حرارة ... ... لو اصطدمت بالجمر للجمر تصهر
وتبكيك أعداد"الجهاد" (2) بحسرة ... ... ويا لأساها حينما تتذكر
يراعًا جرى الوقت الطويل فلم يفه ... ... بسوء ولم يفرح بما خط منكر
فما أوهنته من قوى الشر غارة ... ... ولا منه في كف الأذى لان عنصر
بعصر غدا كتم الحقيقة حنكة ... ... وفيه مناجاة الضمير تهور
وخمسون عامًا عمره الغض ظهرها ... ... بما حملت من فارح العبء موقر
تموج هموم المسلمين بصدره عليه ... ... وفوق شبا إيمانه تتكسر
تداعى السعى والمجد والعلا ... ... فما كل عن شأو وما كان يفتر
أخو سفر جواب أرض تقاذفت ... ... به فلوات فهو أشعث أغبر
تراه كأهل الله روح سخية ... ... يموج بها الإحسان والجسم معسر
له أمنيات قدس الله سرها ... ... لتحقيقها في الأرض يرسو ويبحر
يكل جناح النسر دون بلوغها ... ... وفي دربها الخيل الأصيلة تعثر
إذا ضاقت الدنيا على خطواته ... ... ففي صدره دنيا من الكون أكبر
وإن سكبوا في دربه الليل والأذى ... ... ففي الفكر بدر من هدى الله نير
وان كبلوا يومًا عن السير رجله ... ... فما كانت الروح الطليقة تؤسر
ويزري به أهل الشقاق فيزدري ... ... ويشتمه النذل الحقير فيسخر
ويخبط في لج العماية سادر ... ... ومن جهله بالشرع يشتط منكر
وجوه إذا أبدى النفاق صفاءها ... ... فعن خبث ما تطوى يشف التكدر
وهب أنكر الجهال فضل جهاده ... ... أيحجب ضوء الشمس نقع وعثير؟
إذا شق نور النصر في ليل أمة ... ... وعاد إلى الغمد الحسام المشهر
طوى البطل الكرار بالصمت فعله ... ... وآبت حلوق الخالفين تجرجر
شقيت بأحبابي الكرام فشملهم ... ... شتيت بأرجاء البرايا مبعثر
مصارع إخواني بكل ثنية ... ... تلوح بها"بدر"لعيني"وخيبر"
ذرتهم رياح المجد في كل وجهة ... ... قبورا وأشلاء تسوى وتنثر
فمن حيل الموت اغتراب قبورهم ... ... لي حفظ ماس في التراب وجوهر
بتقبيلهم ثغر الشهادة مولع ... ... وإني لذاك الثغر أرنو وأنظر
طريق جنان الخلد وعر وشائك ... ... وفيه الضحايا والقرابين تكثر
به قتل الفاروق غدرًا وبعده ... ... على شفرات الظلم عثمان يجزر
وشج به رأس الامام"ابن ملجم"... ... وسار به من قبل"زيد وجعفر"
فسر مثلمًا سار الربيع على الربا ... ... له منظر يسبى وفي القلب منظر
وبلغ"تميمًا"من أخيك تحية ... ... وقبل جبينا كالضحى حين يسفر
وأخبره أن القلب منذ فراقه ... ... كشلو بأظفار الضواري يبتر
واني إذا لم أقض حق رثائه ... ... لأعذل في هذا المجال فأعذر
فإن قريضي عن بلوغ مكانة ... ... إليها سما ذاك الحبيب مقصر
بنفسي وجوه أطفأ الغدر نورها ... ... وللخلد في عمر الرياحين تعبر
شباب إذا جل الشباب تلوثت ... ... فهم من نقاء المزن أنقى وأطهر
تربوا على الاسلام في ظل والد ... ... كريم وأم صنفها الفذ يندر
ذكرت بها"الخنساء"إذ رزئت بهم ... ... فما وهنت والشيء بالشيء يذكر
منارة أجيال وهضبة سؤدد ... ... وغيمة جود بالمفاخر تمطر
تقول لمن جاءوا يعزونها بهم ... ... بتعزيتي بالله ياقوم اقصروا
بهم قدموا لي التهنئات فإنما ... ... التهاني بمن نال الشهادة أجدر
شباب بأسمى ما تتوق له التقت ... ... وبالحور والجنات تحظى وتظفر
لخالقهم أهدوا النفوس تقربًا ... ... تقبلت يا ذاك الهدي المعفر
فجادك في دنياك"أم محمد"... ... عزاء وفي دار المقامة كوثر
مباهج آمالي وأطياف فرحتي ... ... على مذبح آلالام ترمي وتنحر
أهيب بنفسي دونك الصبر بعدهم ... ... وأول ما اغتال المصاب التصبر
أقول وحر القيظ يشوي حشاشتي ... ... وروضي من الأنداء والزهر مقفر
سقى روح أحبابي الكرام وجادها ... ... حيا مغدق من رحمة الله ممطر
1)سبع الليل: المسجد الذي كان يخطب فيه الشيخ في بيشاور. ... 2) مجلة الجهاد: مجلة كانت تصدر عن المجاهدين.