وَأَتَانِي ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، أَوْ قَالَ: مَعَ الصِّبْيَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ثم دَعَانِي فَأَرْسَلَنِي فِي حَاجَةٍ، فَلَمَّا رَجَعْتُ.قَالَ: لاَ تُخْبِرْ أَحَدًا، فَاحْتَبَسْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا أَتَيْتُهَا قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، مَا حَبَسَكَ ؟ قُلْتُ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَاجَةٍ لَهُ، قَالَتْ: وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ: إِنَّهُ قَالَ: لاَ تُخْبِرْن بِهَا أَحَدًا.قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، فَاكْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِرَّهُ. [1]
وقول أنس - رضي الله عنهم -: أتى عليَّ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأنا ألعب مع الغلمان"؛ دليل على: تخلية الصِّغار ودواعيهم من اللعب والانبساط، ولا يُضيق عليهم بالمنع مِمَّا لا مفسدة فيه."
وقوله:"فسلَّم علينا"؛ فيه دليل: على مشروعية السَّلام على الصِّبيان، وفائدته: تعليمهم السلام، وتمرينهم على فعله، وإفشاؤه في الصغار كما يفش في الكبار. وكتمان أنس سرَّ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن أمه دليل: على كمال عقله، وفضله، وعلمه مع صغر سنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. [2]
وعَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ خَلْفَ بَابٍ، فَدَعَانِي، فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ. [3]
بل إن هذا الأمر ليتعدى انتظار الأوامر، وينتقل أطفال الصحابة إلى مرحلة أعلى في الحب الصادق، وذلك بترقب حاجيات حبيبهم - صلى الله عليه وسلم - ، ليسارعوا إلى وضعها أمامه، دون أن يتكلم، أو يسمع أمرًا، وهذا من قيم الحب الخالدة .
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وُضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ، قَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ قَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ. [4]
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 449) (12784) 12815- صحيح
(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (20 / 138)
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 850) (3131) صحيح
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (143) وصحيح مسلم- المكنز - (6523 ) وصحيح ابن حبان - (15 / 529) (7053)