القبول ، فصار الحسد بهذا أول جريمة ظهرت في الأرض [1] .
قال ابن عبد البر [2] رحمه الله: « كان يقال: أول ما عُصي الله به في السماء والأرض الحسد والحرص ، ذهبوا إلى أن إبليس حسد آدم فلم يسجد له ، وحرص آدم على الخلود ، فأكل من الشجرة ، وحسد ابن آدم أخاه حين تقبل منه قربانه فقتله . وقد قال الشاعر:
كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد» [3]
والشاهد على أن هذا الداء العضال جالب للخطأ والزلل: حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب على حمار وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة .. فسارا حتى مرَّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول .. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة [أي: غبارها] خمّر ابن أُبيِّ بردائه وقال: لا تغبِّروا علينا ، فسلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم ، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله .. وفيه أن ابن أُبيِّ قال لرسول - صلى الله عليه وسلم -: لا تؤذنا في مجالسنا .. فأخبر الرسول بذلك سعد بن عبادة فقال سعد: أي رسول الله بأبي أنت أعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب ، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة [ أي: أهل المدينة ] على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما ردَّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِق بذلك ، فذلك فعل به ما رأيت ) [4] .
والشاهد في الحديث هو قول سعد بن عبادة في شأن عبد الله بن أبّي (ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوّجوه ويعصِّبوه بالعصابة ، فلما ردَّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِق بذلك ، فلذلك فعل به ما رأيت) .
(1) المرجع السابق نفس الصفحة .
(2) هو الإمام العلامة يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي ، ولد يوم الجمعة الخامس والعشرين من ربيع الثاني سنة ( 368 هـ) ، حافظ عصره . قال الباجي: « لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث ، اشتغل بالعلم ، وحصل علومًا كثيرة ، فهو من فقهاء الحديث ، عالم بالقراءة والخلاف ، أديب جليل » . قال عنه الذهبي: « من نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم وقوة الفهم ، وسيلان الذهن » . له عدة مصنفات أشهرها: الاستيعاب ، التمهيد ، بهجة المجالس ، مات سنة ( 563 هـ) رحمه الله .
انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: 18/153 ، البداية والنهاية: ج12/111 .
(3) بهجة المجالس لا بن عبد البر 1 / 409 .
(4) أخرجه البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الرِّدف على الحمار حديث رقم ( 2987 ) ، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير ، باب في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصبره على أذى المنافقين حديث رقم ( 1798 ) .