الصفحة 174 من 261

على الفطرة ، ولا ينحرفون » [1] وهذا نوع من طرق الإقناع ، ويسمى كذلك بتقرير المخاطب بأصول وقواعد ، ثم البناء عليها بعد إقرار المخاطب بها [2] .

وقد سلك هذه الطريقة النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في تصحيحه للأخطاء ، فكانت هذه الطريقة - وهي من طرق ومنهج الخلق العظيم - من أبلغ الطرق التي أثَّرت في الصحابة ، فصححوا أخطاءهم ، وانقادوا لأمر الله ، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام ، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

1-حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأنصار الذين قالوا يوم حنينٍ ، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل ، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ، يُعطي قريشًا ويتركنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ...، فُحدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فجمعهم في قبّة من أَدَم وفيه: فقال - صلى الله عليه وسلم -: ( ما حديث بلغني عنكم ؟ .. أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله ؟ فوا الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ..) وفي رواية البخاري: ( ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقون فألّفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي ؟ كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ . قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا . ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة ، لكنت امرءًا من الأنصار ، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها ، الأنصار شعار والناس دثار ..) وفي رواية: ( فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ..) [3] .

وفي هذا الحديث يتبين بجلاء أهمية الحوار ، والإقناع في تغيير سلوك الآخرين إلى الصواب ، حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعامل مع هذه الفئة المؤمنة - التي قالت ما قالت - بكل هدوء حتى أقنعهم ، فأثَّر هذا الأسلوب فيهم حتى أنهم بكوا من تأثّرهم ، وأعلنوها بقولهم: ( رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمًا وحظًّا ) ، «وفي هذا الأسلوب تبرز قوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحوار ، وإثارة العواطف ، والتّأنيب والاسترضاء » [4] .

وهذا الكلام من النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار رضي الله عنهم فيه من اللِّين والرِّفق بهم والخلق العظيم ما فيه ، ولذا رضَّاهم ، وأقنعهم حتى اقتنعوا ورضوا .

قال الإمام الكرماني رحمه الله: « إنما أراد به - صلى الله عليه وسلم - تألّف الأنصار ، واستطابة نفوسهم ، والثناء عليهم في دينهم ، ومذهبهم ، حتى رضي أن يكون واحدًا منهم ، لو لا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها » [5] .

وهذا الأمر يؤكِّد للدعاة أن يتحلّوا بهذه الصفة العظيمة ، وأهمية ذلك في حياة الدعاة .

2-حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأةً من جهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال: (نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمَّك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء ) [6] وورد ذلك في شأن الصيام بأحاديثَ أُخَر:

-كحديث ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر . أفأ صوم عنها ؟ قال: ( أرأيت لو كان على أمِّك دين فقضيته ، أكان يؤدي ذلك عنها ؟ ) قالت: نعم . قال: (فصومي عن أمّك ) [7] .

ففي هذا الحديث صَحَّحَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قد يقع فيه الإنسان، ويخطئُ فيه ، وهو عدم القضاء عن نذر الميت . وقد قال النووي رحمه الله أنه: « يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت » [8] فالتصحيح جاء بالحوار والإقناع ، حيث « استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب المحاورة مع هذه المرأة ليضمن وصول المعلومة إلى ذهنها ، وكان

(1) في ظلال القرآن - سيد قطب: 4 / 2478 .

(2) بتصرف من: فقه الأخلاق والمعاملات: مصطفى العدوي 2 / 33 .

(3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب: غزاة أوطاس حديث رقم ( 4330 ) ومسلم في كتاب الزكاة ، باب: إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه حديث رقم ( 1059 ) واللفظ الأول له .

(4) منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع الناشئة ص 42 .

(5) شرح الكرماني على صحيح البخاري ، نقلًا عن فقه الدعوة في صحيح البخاري للقحطاني 2/956 . وانظر: من أساليب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التربية: نجيب العامر ص 162 .

(6) أخرجه البخاري - كتاب جزاء الصيد باب الحج والنذور عن الميت حديث رقم (1852) .

(7) أخرجه مسلم - كتاب الصيام باب قضاء الصوم عن الميت وجوازه حديث رقم ( 1148) .

(8) شرح صحيح مسلم للنووي 3 / 214 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت