عند قبر، فقال: ( اتقي الله واصبري ) ، قالت: إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي ، ولم تعرفه . فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين ، فقالت: لم أعرفك ؛ فقال: ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) [1] .
ففي هذا الحديث أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفِّ عن هذا الخطأ ، وهو البكاء الشديد ، أو النياحة ، كما قال القرطبي: « الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نَوْحٍ أو غيره ، ولهذا أمرها بالتقوى » [2] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: « ويؤيّده - أي كلام القرطبي - أنه في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور (فسمع منها ما يكره فوقف عليها ) » [3] .
وقال النووي رحمه الله في شرح الحديث: « فيه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر مع كل أحد » [4] .
إذن قد صدر الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المرأة بترك هذا الخطأ والتقوى والصبر على ما أصابها ، وكل ذلك بحكمة ، ورفق ، وتواضع منه - صلى الله عليه وسلم - .
قال الحافظ بن حجر رحمه الله: « وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التواضع ، والرفق بالجاهل ، ومسامحة المصاب ، وقبول اعتذاره ، وملازمة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وأن من أُمر بمعروف ينبغي له أن يقبل ، ولو لم يعرف الآمر ، وفيه أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونًا بالصبر » [5] .
(1) أخرجه البخاري كتاب الجنائز ، باب: زيارة القبور حديث رقم ( 1283 ) ، ومسلم كتاب الجنائز: باب: الصبر عند الصدمة الأولى ، حديث رقم ( 926 ) .
(2) فتح الباري: 3 / 178 .
(3) المصدر السابق .
(4) شرح صحيح مسلم النووي: 2 / 526 .
(5) فتح الباري: 3 / 179 .