الصفحة 234 من 261

فيه .

وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله - لما قال له ابنه عبد الملك: « يا أبتِ ! ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل ؟ فوا الله ما كنتُ أبًا لي [1] ولو غلت بي وبك القدور في ذلك . قال: يا بنيّ ، إنّما أروّض الناس رياضة الصَّعب ، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل ، فأؤخر ذلك حتى أُخرِجَ معه طمعًا من طمع الدنيا ، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه .

وقال أيضًا - رحمه الله -: « ما طاوعني الناس على ما أردتُ من الحق ، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا » [2] .

وقال كذلك: « والله ما أستطيع أن أخرج لهم شيئًا من أمر الدين ، إلا ومعه طرف من الدنيا استلين به قلوبهم خوفًا أن ينخرق عليّ منهم ما لا طاقة لي به» [3] .

وخلاصة القول في ذلك أن من أراد تصحيح الأخطاء ، فيجمُل به إيراد بديل عن ذلك ، لأن النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء ، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « إذا كان في البدعة من الخير فعُوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان ، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء ، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله ، أو إلى خير منه» [4] .

ولقد زخرت السنة المباركة ، وخصوصًا في أبواب العبادات بكثير من الأمثلة على هذا الموضوع المهم ومنها:

1-عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ، ولكن شرِّقوا ، أو غرِّبوا ) [5] .

ففي هذا الحديث: تصحيح ما قد يقع فيه الصحابة من الخطأ وهو استقبال، أو استدبار القبلة عند قضاء الحاجة ، وينبغي الانتهاء عن ذلك

(1) لعلها: أُبالي وبه ورد في: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، السبت ص 277 .

(2) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ابن الجوزي ، ضبطه وشرحه وعلق عليه . نعيم زرزور ط. دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ط الأولى 1404 هـ ص 88 .

(3) أصول الدعوة: عبد الكريم زيدان ص 484 .

(4) نقلًا عن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، السبت ص 279 .

(5) أخرجه البخاري كتاب الصلاة ، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ... حديث رقم ( 394 ) . ومسلم كتاب الطهارة ، باب الاستطابة حديث رقم ( 264 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت