ففي هذا الحديث ، غَضِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على هذا السائل ، حتى بدت معالم الغضب على وجهه الكريم - صلى الله عليه وسلم - ، وفي سبب غضبه عليه الصلاة والسلام قولان .
1-إما لأنه نهى قبل ذلك عن التقاطها .
2-وإما لأن السائل قَصّر في فهمه ، فقاس ما يتعيّن التقاطه على ما لا يتعيّن» [1] .
وغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع ، إنما هو غضب فيما يتعلق بحق الله وحرماته ، ولأجل هذا عقد البخاري رحمه الله بابًا في كتاب الأدب حيث قال: « باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى » .
وقد علّق ابن حجر رحمه الله على هذا التبويب من البخاري رحمه الله بقوله: « كأنه يشير - البخاري - إلى أن الحديث الوارد في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبر على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه ، وأما إذا كان لله تعالى فإنه يتمثّل فيه أمر الله من الشدّة ، وذَكَر فيه خمسة أحاديث تقدمت كلها ، وفي كلَّ منها ذكر غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسباب مختلفة ، مرجعها إلى أن ذلك كله كان في أمر الله ، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزّجر عنها » [2] .
والخلاصة من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غَضِبَ على هذا الرجل ، وأمثاله ، وأعلمهم بغضبه هذا أن ما ارتكبوه من أخطاء يجب عليهم أن يصحِّحوه ، ولذا كان الغضب على المخطئ من مناهج التصحيح ، وقد ورد في غضبه - عليه الصلاة والسلام - على الأفراد لغرض التصحيح ، كذلك ما رواه مسلم: أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه ، فقال: يا رسول الله: تُدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( وأنا تُدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم) .
فقال: لستَ مثلنا: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؛ ( فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...) [3] [4] .
وكذلك حديث شفاعة أسامة في شأن المرأة المخزومية [5] ، وغير ذلك
(1) انظر: فتح الباري: 1 / 225 .
(2) فتح الباري: 10 / 534 .
(3) الزيادة من فتح الباري: 10/ 530 .
(4) صحيح مسلم كتاب الصيام ، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ، حديث رقم ( 1110 ) .
(5) تقدم تخريجه ص 161.