وسوء الخلق ونحو ذلك ، فعُفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض » [1] .
وكذلك من عدم جواز الهجر ، وخصوصًا هجر المسلم لأخيه المسلم ، أن ذلك الهجر قد يكون فيه حظ للإنسان من هوى نفسه . وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه [2] .
وقد ورد كذلك النهي عن هذا النوع من الهجر ، وبيان أنه يحرمُ الإنسان من الخير وزيادة الدرجات ومغفرة السيئات ، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ، انظروا هذين حتى يصطلحا ، انظروا هذين حتى يصطلحا ) [3] .
وهذا كله في الهجر لحقّ نفسه ، ولذا ينبغي أن يفرّق بين هذا ، وبين الهجر لحقّ الله ، فالأول منهي عنه والثاني مأمور به .
ولا شك أن الهجر لحقّ الله من العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد في سبيل [4] .
ولذا فقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتجلى ذلك في قصة الثلاثة الذين تخلفوا في المدينة حتى أنزل الله تبارك وتعالى توبتهم [5] .
وفعله كذلك الصحابة رضي الله عنهم ، فقد ورد عن عائشة أنها هجرت عبدالله بن الزبير رضي الله عنه [6] ، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يضحك في جنازة ، فقال: أتضحك مع الجنازة ؟ لا أكلَّمُك أبدًا [7] .
وغير ذلك مما ورد عن أن الصحابة فعلوا هذا الأمر - الهجر - وعدّوه
(1) شرح صحيح مسلم للنووي: 6 / 90 .
(2) انظر مجموع الفتاوى 28 / 207 .
(3) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب ، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر ، حديث رقم ( 2565 ) .
(4) انظر: مجموع الفتاوى: 28 / 208 .
(5) أخرجه البخاري في عدة مواضع ومنها كتاب المغازي ، باب: حديث كعب بن مالك حديث رقم ( 4418) ، ومسلم كتاب التوبة ، باب حديث توبة كعب بن مالك حديث رقم (2769) .
(6) أخرجه البخاري كتاب الأدب ، باب الهجرة ... حديث رقم ( 6073 ) .
(7) الآداب الشرعية لابن مفلح 1 / 230 .