المبحث الثاني: الهجر
وأسلوب الهجر أسلوب تأثير بيِّن ، وواضح في نفس المخطئ ، وخصوصًا إذا أحدث المخطئ خطأً عظيمًا ، وارتكب ذنبًا جسيمًا ، وذلك لِمَا للهجر من أثر على نفسه ، حيث يسبب له هذا الهجر ابتعادًا عن الناس ، فلا يجالسونه ، ولا يبتاعون منه ولا يشترون ، بل وقد يحذِّرون منه ، فتزداد عزلته عنهم ، ولذا فلا بد من هذا الهجر ، لأن من الناس من لا ينفع معه إلا هذا الأسلوب ، وبالتالي فلا يُصار إليه إلا بعد أن يظهر خطؤه ، وتبين له زلته ، ويوعظ بالموعظة الحسنة، فإذا لم يُجْدِ ذلك، ووجد المصحِّح أن الهجر هو علاجه فيُصار إليه.
والهجر الشرعي نوعان ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات .
والثاني: بمعنى العقوبة عليها .
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى:
{ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [1] ، فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة .
الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها [2] .
والأصل في الهجر أنه لا يجوز ولا يُصار إليه ، وذلك لقوله عليه الصلاة السلام: ( لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ ، يلتقيان فيعرض هذا ، و يعرض هذا ، وخيرهما من يبدأ بالسلام ) [3] .
« قال العلماء: في هذا الحديث . تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال ، وإباحتها في الثلاث الأُول بنصّ الحديث ، والثاني بمفهومه .
قالوا: وإنما عُفي عنها في الثلاثة لأن الآدمي مجبول على الغضب،
(1) سورة الأنعام .آية رقم ( 68 ) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى: 28 / 203 .
(3) أخرجه البخاري كتاب الأدب ، باب: الهجرة وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) حديث رقم ( 6077 ) ، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب ، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي ، حديث رقم ( 2560 ) .