ولقد رأيت بنفسي كثيرًا ممن تأثر وبكى من العامة والخاصة ، في مجالس الذكر والوعظ المشروعة ، والخطب المسنونة ، ثم تاب من بعدها وعمل صالحًا واهتدى ، وبلغني الكثير من ذلك في أماكن شتى ، فمن زعم أن الناس لا يصلحهم إلا البدع فقد افترى .
وناظرني بعضهم في مسألة الاحتفال بالمولد ، وما يحصل للناس فيه من تأثر بسماع السيرة النبوية ، وربما بكى بعضهم محبة وتعظيمًا ، فقلت له لقد كان يحضر لسماع خطب ابن الجوزي ومواعظه أكثر من عشرة آلاف شخص ، وربما بلغ عددهم المائة ألف ، وربما تاب في المجلس الواحد أكثر من ألف شخص .
وبلغني عن بعض دعاة السنة في زماننا ، أنه كان يحضر في خطبه ودروسه الألوف، ولا يُحصى عدد من تاب بسبب مواعظه ، وخَطبَ عن السيرة النبوية ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة خطبًا أبكت الكثير .
ويوجد في زماننا هذا من أمثال هؤلاء الدعاة والوعاظ الكثير ، وكلهم - ولله الحمد - من أهل السنة .
والمقصود أن مافي المشروع من الدعوة والموعظة وإصلاح القلوب والأعمال أضعاف أضعاف ما في غيره من المحدث المبتدع .
ثم إنه لو فرض وجود خير ونفع في تلك المحدثات ، فما فيها من شر ومفسدة أعظم ، بخلاف مجالس العلم والوعظ المشروعة ، والخطب المسنونة ، فإنها خير لا شر فيها، ومنفعة لا مفسدة فيها . وانظر ما قاله ابن تيمية في هذا المعنى ، الاقتضاء [2/609] .
فصل
نعم ، توجد مصلحة دنيوية ظاهرة ، في إحياء تلك البدع المحدثة ، لا لعامة الناس ، بل للشيوخ المعظَّمين الذين اتخذوا منها طريقًا إلى الرئاسة على العامة ، وجعلوها مطية يمتطونها لمآرب شخصية .
وقد أشار إلى ذلك معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال"فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ماهم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره: رواه أبوداود [ 4611 ] وقد تقدم ذكره ."