الصفحة 43 من 74

فصل: شبهات أهل البدع والمحدثات

ما من صاحب بدعة ولا هوى إلا ويحرص أن يستدل على بدعته بأدلة تؤيد هواه وتنصر مبتغاه .

ولأن شأن البدع والأهواء التعدد والكثرة ، وليس لها حصر لا في نوعها ولا في أفرادها ، فإن أدلتهم وشبهاتهم كذلك يصعب حصرها ، وأكثرها لا يتعدى القياس والاستحسان العقلي ، وأما الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ، فالغالب عليهم الاستدلال بالمتشابهات وبالعمومات والمطْلقات ، وتحريف الكلم عن مواضعه .

قال الشاطبي"لما نظرنا في طرق البدع من حين نبتت وجدناها تزداد على الأيام ، ولا يأتي زمان إلا وغريبة من غرائب الاستنباط تحدث إلى زماننا هذا ."

وإذا كان كذلك ، فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لاعهد لنا بها فيما تقدم ، لاسيما عند كثرة الجهل وقلة العلم وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد ، فلا يمكن إذًا حصرها من هذا الوجه .

ولا يقال: إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق ، فإن أوجه المخالفة لا تنحصر أيضًا .

لكنا نذكر من ذلك أوجهًا كلية يقاس عليها ما سواها:

1 -فمنها: اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة ، والمكذوب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم . كحديث الاكتحال يوم عاشوراء .

2 -ومنها: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات ، وطلب الأخذ بها تأويلًا .

ومدار الغلط هنا هو الجهل بمقاصد الشرع ، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض ، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو: على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها ، وعامِّها المرتب على خاصِّها ، ومطلقها المحمول على مقيَّدها ..

وشأن متبعي المتشابهات: أخذ دليل ما - أي دليل كان - عفوًا ، وأخذًا أوليًا ، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت