له أبرهة بن الصباح بن يكسوم فساخط أرياط في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين، فكانت طائفة مع أرياط وطائفة مع أبرهة، فتزاحفا، فقتلَ أبرهةُ أرياطًا، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على اليمن وأقره النجاشي على عمله، ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله عز وجل، فبنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبْنَ لِمَلِك مثلها، ولستُ منتهيًا حتى أصرفَ إليها حج العرب، فسمع بذلك مالك بن كنانة، فخرج لها ليلًا فدخل وتغوّط فيها، ولطخ بالعَذِرَة (1) قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة، فقال: من اجترأ على هذا؟ فقيل: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت. فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها. فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له: محمود، وكان فيلًا لم يُر مثله، عِظَمًا وجسمًا وقوة، فبعث به إليه. فخرج أبرهة في الحبشة سائرًا إلى مكة، وخرج معهم الفيل، فسمعت العرب بذلك فعظموه، ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه فقاتلوه، [فهزمهم] (2) أبرهة وأخذ ذو نفر، فقال: يا أيها الملك استبقني، فإن بقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه، فهزمهم وأخذ نفيلًا، فقال نفيل: أيها الملك! إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي
(1) العَذِرَة: الغائط (المعجم الوسيط 2/ 590) .
(2) في الأصل: فهزم. والمثبت من تفسير ابن كثير (4/ 550) .